في مشهد يعكس استمرار توظيف المؤسسة العسكرية الإسبانية في ترسيخ الرواية الرسمية حول مليلية المحتلة، استقبلت سلطات الثغر المحتل ، أمس الجمعة 29 ماي الجاري ، نحو 200 طالب ضابط من سفينة الإنزال الحربي “غاليسيا” والفرقاطة “فيكتوريا”، في حفل رسمي احتضنه “الصالون الذهبي” بمقر حكومة المدينة، وسط خطابات سياسية وعسكرية استحضرت التاريخ الاستعماري الإسباني بالمنطقة وقدّمته باعتباره جزءاً من “الأمجاد الوطنية” لمدريد.
ووفق ما أوردته وسائل إعلام محلية بالمدينة المحتلة، فقد تحولت الزيارة التدريبية لطلبة المدرسة البحرية العسكرية إلى مناسبة لإعادة التأكيد على ما تصفه السلطات الإسبانية بـ”إسبانية مليلية”، حيث شدد مسؤولون عسكريون ومدنيون على ارتباط المدينة بالتاريخ البحري والعسكري لإسبانيا، في خطاب يعكس استمرار المقاربة السيادية التي تعتمدها مدريد في التعامل مع ملف الثغرين المحتلين.
القائد البحري للمدينة، إدواردو إستريا، استغل المناسبة لتوجيه رسائل واضحة إلى الضباط المتدربين، مؤكداً أن مليلية تمثل رمزاً للوطنية الإسبانية، ومعتبراً أن “إسبانيتها محفورة في كل حجر من حجارتها”. كما استعرض عدداً من المحطات العسكرية المرتبطة بالتواجد الإسباني في شمال المغرب، مستحضراً عمليات عسكرية وحصارات شهدتها المنطقة خلال قرون التوسع الاستعماري الإسباني.
ولم تخرج كلمة رئيس حكومة المدينة المحتلة، خوان خوسي إمبرودا، عن السياق ذاته، إذ شدد على أهمية حضور الدولة الإسبانية في مليلية، معتبراً أن المدينة تمثل نموذجاً للتعايش والتعددية داخل المنظومة الإسبانية، قبل أن يختتم الحفل بشعارات تمجد الجيش الإسباني والملك والدولة.
غير أن الصورة التي حاولت سلطات المدينة رسمها خلال هذا الاستقبال لم تحجب الأصوات المنتقدة داخل مليلية نفسها. فالتعليقات التي رافقت نشر الخبر على المنابر المحلية كشفت عن حالة من التذمر تجاه المسؤولين المحليين، حيث وجه بعض المعلقين اتهامات مباشرة لإمبرودا باستغلال المناسبات الرسمية والعسكرية لأغراض سياسية وانتخابية، بينما شكك آخرون في الخطاب الاحتفالي الذي يطغى على المشهد العام بالمدينة.
وتأتي هذه الزيارة في سياق حرص المؤسسة العسكرية الإسبانية على ربط الأجيال الجديدة من الضباط بتاريخ مليلية المحتلة، وتقديمها باعتبارها نقطة متقدمة للدفاع الإسباني في جنوب المتوسط، وهو ما يثير مجدداً النقاش حول استمرار توظيف الذاكرة العسكرية والاستعمارية في الخطاب الرسمي الإسباني المتعلق بالثغرين المحتلين.
لكن مهما ارتفعت الهتافات داخل القاعات الرسمية بمليلية، ومهما حاولت مدريد تقديم المدينة باعتبارها رمزاً ثابتاً للسيادة الإسبانية، فإن التاريخ يحتفظ بروايته الخاصة. فغير بعيد عن أسوار الثغر المحتل، ما تزال جبال الريف شاهدة على صفحات من المقاومة المغربية التي هزت أركان المشروع الاستعماري الإسباني.
هناك، حيث دوّى صوت الشريف محمد أمزيان في “خندق الذئب”، وحيث تحولت سهول أنوال على يد محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى مقبرة لأحلام التوسع العسكري الإسباني، كُتبت فصول أخرى من تاريخ المنطقة. فكارثة أنوال لم تكن مجرد هزيمة عسكرية عابرة، بل زلزالاً سياسياً وعسكرياً مدوياً ما زالت أصداؤه تتردد في الذاكرة الإسبانية إلى اليوم.
لذلك، وبينما كان الحاضرون يرددون شعارات تمجد الجيش الإسباني داخل قاعة الاستقبال، بقي صوت آخر يتردد في خلفية المشهد؛ صوت الريف الذي حوّل ذات يوم جيشاً استعمارياً مدججاً بالسلاح إلى عنوان لأكبر هزيمة عرفتها إسبانيا الحديثة خارج حدودها. فالتاريخ لا تحفظه الخطب الرسمية ولا تكتبه الاحتفالات العسكرية، بل تصنعه الوقائع، ووقائع الريف ما زالت تذكّر بأن الأرض التي يُحتفى فوقها بأمجاد الإمبراطوريات هي نفسها الأرض التي شهدت سقوطها.
30/05/2026