بعد أسابيع من الجدل والسخرية التي رافقت قائمة الممنوعات الخاصة بمباريات كأس العالم 2026، وجد الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” نفسه مضطرا إلى التراجع عن أحد أكثر قراراته إثارة للاستغراب، معلنا السماح للجماهير بإدخال زجاجة مياه واحدة مختومة من المصنع ومخصصة للاستعمال الواحد إلى الملاعب في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وكانت التعليمات الأولية قد وضعت قنينات المياه في خانة الممنوعات، وهو ما أثار استغراب المتابعين، خاصة أن البطولة ستقام خلال فصل الصيف وفي مدن قد تشهد درجات حرارة مرتفعة، ما جعل البعض يتساءل: هل أصبحت قارورة الماء تشكل تهديدا أمنيا يستدعي المنع؟
ويبدو أن موجة الانتقادات دفعت “فيفا” إلى مراجعة موقفه، بعدما بدا القرار بعيدا عن أبسط متطلبات الراحة والمنطق. فالجماهير لم تفهم كيف يُطلب منها التخلي عن زجاجة مياه مختومة عند البوابات، ثم البحث عنها مجددا داخل الملعب بأسعار غالبا ما تكون مضاعفة.
لكن لا أحد ينبغي أن يعتقد أن “فيفا” فتح أبواب التساهل على مصراعيها، فالسماح بزجاجة ماء واحدة لا يغير كثيرا من واقع أن قائمة الممنوعات ما تزال طويلة بما يكفي لتحويل المشجع إلى مفتش لأمتعته قبل أن يكون عاشقا لكرة القدم.
وتشمل القائمة السجائر الإلكترونية ومنتجات التبغ، وجميع أنواع الأسلحة، والولاعات والألعاب النارية، والمظلات الكبيرة والكراسي القابلة للطي، كما يُمنع إدخال أكثر من شاحن متنقل واحد، وكأن امتلاك بطاريتين احتياطيتين قد يهدد أمن البطولة العالمية.
ولا تتوقف اللائحة عند هذا الحد، إذ تشمل أيضا الطائرات المسيّرة “الدرون”، والعصي المخصصة للتصوير الذاتي، وحوامل الكاميرات، وحقائب الظهر الكبيرة والملونة، فضلا عن الأطعمة والمشروبات والسوائل التي تتجاوز 100 مليلتر. بمعنى آخر، على المشجع أن يراجع محتويات حقيبته بعناية تفوق أحيانا مراجعة حقائب السفر في بعض المطارات.
كما تحظر التعليمات البالونات والكرات المنفوخة والسهام، إضافة إلى الملابس واللافتات ذات الطابع السياسي أو التمييزي أو الترويجي غير المصرح به، إلى جانب مكبرات الصوت ومؤشرات الليزر، في إطار ما تصفه “فيفا” بإجراءات الحفاظ على الأمن والنظام داخل الملاعب.
واللافت أن العقوبات المرافقة لهذه التعليمات لا تقل صرامة عن الممنوعات نفسها، إذ قد يواجه المخالفون الطرد الفوري من المدرجات، مع إمكانية المتابعة القضائية في بعض الحالات، ما يجعل رحلة دخول الملعب مغامرة تنظيمية قائمة بذاتها قبل أن تبدأ المباراة أصلا.
وبين ضرورات الأمن ومتطلبات التنظيم، يبدو أن “فيفا” يتعامل مع مونديال 2026 بمنطق “الحيطة قبل المتعة”، حتى وإن أدى ذلك أحيانا إلى قرارات يصعب تفسيرها للجماهير. ولعل أبرز دليل على ذلك أن قنينة ماء مختومة احتاجت إلى موجة من الجدل حتى تحصل أخيرا على إذن رسمي لدخول المدرجات.
ويبقى السؤال مطروحا: إذا كانت قارورة ماء احتاجت إلى كل هذا النقاش قبل أن تُرفع عنها صفة “المادة المحظورة”، فماذا ينتظر ملايين المشجعين عند بوابات الملاعب في صيف 2026؟ يبدو أن أكبر مونديال في التاريخ لن يُختبر فقط داخل المستطيل الأخضر، بل أيضا أمام نقاط التفتيش… حيث قد تكون قطرة ماء أكثر حظا من بعض الأغراض الأخرى في الحصول على حق العبور.
