تتجه الأنظار إلى مقر الأمم المتحدة بنيويورك، حيث بدأت تتشكل ملامح مرحلة جديدة داخل مجلس الأمن الدولي قد تحمل انعكاسات مهمة على مسار قضية الصحراء المغربية، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها موازين القوى الدولية وتزايد الدعم الأممي والدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي تقترحها المملكة كحل واقعي وذي مصداقية للنزاع الإقليمي المفتعل.
فبعد انتخاب خمسة أعضاء جدد لشغل المقاعد غير الدائمة بمجلس الأمن خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2028، تبدو الرباط أمام تركيبة أممية أكثر توازنًا وانسجامًا مع الدينامية الدولية المتنامية الداعمة لمغربية الصحراء، خاصة بعدما نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة في تحقيق اختراقات دبلوماسية وازنة غيرت بشكل ملموس طبيعة النقاش داخل المنتظم الدولي.
وأسفرت الانتخابات الأممية عن فوز النمسا والبرتغال وزيمبابوي وقيرغيزستان وترينيداد وتوباغو بعضوية المجلس، خلفًا للصومال وباكستان وبنما والدنمارك واليونان. ورغم أن الدول المنتخبة لا تملك حق النقض، فإن حضورها داخل الهيئة الأممية الأكثر تأثيرًا في العالم يمنحها دورًا محوريًا في صياغة القرارات وبناء التوافقات السياسية المرتبطة بالقضايا الدولية الكبرى.
ويرى متابعون أن انتخاب النمسا والبرتغال يشكل مكسبًا إضافيًا للمغرب، بالنظر إلى المواقف المتقدمة التي تبنتها الدولتان خلال السنوات الأخيرة تجاه مبادرة الحكم الذاتي. فقد أكدت لشبونة في أكثر من مناسبة أن المقترح المغربي يمثل أساسًا جادًا وواقعيًا وذا مصداقية لتسوية النزاع، فيما أظهرت فيينا دعمًا متزايدًا لمقاربة الحل السياسي العملي بعيدًا عن الأطروحات المتجاوزة التي أثبتت عقود من الجمود عدم قابليتها للتنفيذ.
كما يمنح وصول قيرغيزستان إلى مجلس الأمن هامش ارتياح إضافيًا للدبلوماسية المغربية، باعتبارها دولة لا تنخرط في دعم أطروحة الانفصال وتساند جهود الأمم المتحدة الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي واقعي ومتوافق بشأنه، وهو توجه ينسجم مع التحول الدولي المتزايد نحو دعم الحلول العملية بدل إعادة تدوير مشاريع أثبت الواقع استحالة تنزيلها.
وفي المقابل، تبقى ترينيداد وتوباغو الدولة الوحيدة ضمن الأعضاء الجدد التي لا تزال تحتفظ باعترافها بـ”البوليساريو”، غير أن وزنها داخل الملف يظل محدودًا، خصوصًا أن قرارات مجلس الأمن لا تُبنى على مواقف منفردة، بل على توازنات جماعية تقودها الدول الأكثر تأثيرًا داخل المجلس.
وتزداد أهمية هذه المعطيات بالنظر إلى استمرار عضوية عدد من الدول التي عبرت سابقًا عن مواقف متفهمة أو داعمة للمبادرة المغربية، من بينها البحرين وليبيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو ما يعزز مناخًا أمميًا يبدو أكثر قربًا من الرؤية المغربية مقارنة بما كان عليه الوضع خلال سنوات سابقة.
غير أن التحول الأبرز في مسار القضية جاء مع اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797 خلال أكتوبر 2025، وهو القرار الذي اعتبره العديد من المراقبين نقطة انعطاف حقيقية في التعاطي الأممي مع النزاع. فقد كرّس بشكل أوضح من السابق مركزية مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الجدي والواقعي والموثوق لأي حل سياسي مستقبلي، كما أعاد التأكيد على مسؤولية الجزائر المباشرة باعتبارها طرفًا أساسيًا في النزاع، وليس مجرد مراقب أو طرف خارجي.
وتعكس هذه التطورات حجم التحول الذي شهدته القضية خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقل النقاش الدولي تدريجيًا من البحث عن حلول نظرية غير قابلة للتطبيق إلى التركيز على مقترحات واقعية تحظى بدعم متزايد من القوى الدولية الكبرى. كما أن الاعترافات المتلاحقة بمغربية الصحراء وافتتاح عشرات القنصليات بالأقاليم الجنوبية والدعم المتنامي لمبادرة الحكم الذاتي، كلها مؤشرات تؤكد أن الملف دخل مرحلة مختلفة عنوانها تعزيز الشرعية الدولية للموقف المغربي وتضييق هامش المناورة أمام الأطروحات الانفصالية.
وفي انتظار بدء الولاية الجديدة للأعضاء المنتخبين مطلع سنة 2027، تبدو الرباط أكثر ثقة في قدرتها على مواصلة حصد المكاسب الدبلوماسية داخل الأمم المتحدة، مستندة إلى زخم دولي متصاعد وإلى قناعة متزايدة داخل المجتمع الدولي بأن مبادرة الحكم الذاتي تمثل اليوم الإطار الأكثر واقعية وجدية لإنهاء أحد أقدم النزاعات الإقليمية في القارة الإفريقية.
06/06/2026