فجّر المكتب الجهوي لنقابة المتصرفين التربويين بجهة طنجة تطوان الحسيمة موجة جديدة من الجدل داخل قطاع التعليم، بعدما أصدر بياناً شديد اللهجة وضع فيه الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين في قلب عاصفة من الانتقادات والاتهامات المرتبطة بطريقة تدبير عدد من الملفات الإدارية والمالية والتربوية، معتبراً أن القطاع يعيش على وقع اختلالات متراكمة تهدد بنسف شعارات الإصلاح وتحويلها إلى مجرد عناوين على الورق.
البيان النقابي، الذي جاء بلغة غير مسبوقة في حدتها، رسم صورة قاتمة عن واقع التدبير التربوي بالجهة، متحدثاً عن تعثر مشاريع يفترض أنها شكلت ركيزة أساسية للنهوض بالمدرسة العمومية، وعلى رأسها مشروع “المؤسسات الرائدة” الذي خصصت له اعتمادات مالية مهمة. ووفق النقابة، فإن عدداً من المؤسسات التعليمية ما يزال يعاني من نقص في التأهيل والتجهيز، فيما توقفت الأشغال في مؤسسات أخرى أو لم تستكمل بالشكل المطلوب، الأمر الذي يثير، بحسب البيان، تساؤلات جدية حول مآل هذه المشاريع ومدى احترام الالتزامات المرتبطة بها.
ولم يقتصر الأمر على مشاريع البناء والتأهيل، بل امتد ليشمل أبسط البنيات الأساسية التي يفترض توفرها داخل المؤسسات التعليمية. إذ تحدثت النقابة عن استمرار مشاكل الربط بشبكات الماء والكهرباء والصرف الصحي، وتأخر توفير التجهيزات الضرورية، وعدم نقل أو توزيع بعض المعدات البيداغوجية، من بينها السبورات التفاعلية والكراسي والتجهيزات الرقمية، معتبرة أن هذا الواقع يكشف فجوة واسعة بين الخطاب الرسمي والممارسة الميدانية.
وفي ملف لا يقل حساسية، وجه البيان انتقادات حادة إلى طريقة تدبير التعويضات المالية، متحدثاً عن تأخر صرف مستحقات أطر الإدارة التربوية وأعضاء لجان الامتحانات الإشهادية، إلى جانب ما وصفه بغياب الشفافية والوضوح في تدبير التعويضات والتنقلات. وترى النقابة أن هذه الوضعية ساهمت في تعميق الشعور بالاحتقان والاستياء وسط فئة تعتبر من الأعمدة الأساسية لتسيير المؤسسات التعليمية.
كما وجهت النقابة سهامها نحو أسلوب الحكامة المعتمد داخل الأكاديمية وبعض المديريات الإقليمية، متهمة المسؤولين بتغليب القرارات الانفرادية وتهميش المقاربة التشاركية، في وقت تتطلب فيه إصلاحات التعليم تعبئة جماعية وإشراكاً فعلياً للفاعلين التربويين. واعتبرت أن عدداً من الملفات المصيرية يتم تدبيرها بعيداً عن التشاور والحوار، ما يفاقم منسوب التوتر داخل القطاع.
ولم يخل البيان من الإشارة إلى ما اعتبره استمراراً للتعثر في تنزيل عدد من المذكرات الوزارية المتعلقة بدعم الإدارة التربوية، إلى جانب الخصاص في الموارد البشرية وضعف خدمات الإنترنت وتدهور وضعية بعض التجهيزات الرقمية، وهي عوامل قالت النقابة إنها تؤثر بشكل مباشر على جودة العمل الإداري والتربوي داخل المؤسسات.
وفي أكثر فقرات البيان إثارة للانتباه، طالبت النقابة بفتح تحقيقات مستقلة في كيفية تدبير بعض الاعتمادات المالية المخصصة للتأهيل والتجهيز والتعويضات، مع تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة والكشف عن أوجه صرف الأموال العمومية المرصودة لهذه المشاريع. وهي مطالب من شأنها أن ترفع منسوب الضغط على الجهات الوصية خلال المرحلة المقبلة.
كما حمّل المكتب الجهوي للنقابة مديرة الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين مسؤولية ما وصفه بتفاقم الاختلالات والأعطاب التدبيرية، داعياً وزارة التربية الوطنية إلى التدخل العاجل عبر إيفاد لجنة مركزية للوقوف على حقيقة الأوضاع والتحقيق في مختلف الملفات التي أثارها البيان.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يفترض أن تنصب فيه الجهود على إنجاح الأوراش الإصلاحية الكبرى التي أطلقتها الوزارة وتحسين مؤشرات المدرسة العمومية، غير أن حجم الانتقادات التي تضمنها البيان يعكس، وفق مراقبين، وجود أزمة ثقة متنامية بين الإدارة والفاعلين الميدانيين، ويطرح أسئلة محرجة حول مدى نجاعة الحكامة المعتمدة في تنزيل البرامج والمشاريع التربوية بالجهة.
وبين الاتهامات الثقيلة التي فجرتها النقابة والصمت الرسمي الذي يطوق الملف إلى حدود الساعة، تبدو جهة طنجة تطوان الحسيمة أمام واحدة من أكثر المحطات توتراً في قطاع التعليم خلال السنوات الأخيرة. فإما أن تبادر الجهات الوصية إلى تقديم توضيحات دقيقة وفتح تحقيقات شفافة لقطع الطريق على الشكوك المتزايدة، وإما أن تتوسع دائرة الاحتقان وتتحول هذه الملفات إلى كرة ثلج قد تتدحرج نحو أزمة أكبر، عنوانها فقدان الثقة في تدبير قطاع يفترض أن يكون رهان الدولة الأول لصناعة المستقبل.
