كمال سليمان سليماني :
في ظل تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية بالمغرب، أصبح من الضروري أن ينعكس هذا المكسب الدستوري على مختلف المؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها البرلمان باعتباره فضاءً للتشريع ومراقبة العمل الحكومي وتمثيل المواطنين. ومن هذا المنطلق، فإن استعمال البرلمانيين المغاربة للغة الأمازيغية في مداخلاتهم داخل قبة البرلمان ليس امتيازًا أو ترفًا سياسيًا، بل حق دستوري مكفول، وترجمة فعلية لمبدأ المساواة بين اللغتين الرسميتين للدولة.
إن التحدث بالأمازيغية داخل البرلمان يشكل اعترافًا عمليًا بمكانة هذه اللغة في الحياة العامة، كما يعكس احترام التنوع اللغوي والثقافي الذي يميز المغرب. فالأمازيغية لغة ملايين المغاربة، ومن الطبيعي أن تكون حاضرة في النقاشات التشريعية والسياسية التي تهم حاضر البلاد ومستقبلها. كما أن استعمالها من طرف البرلمانيين يساهم في تقريب المؤسسة التشريعية من المواطنين الناطقين بها، ويعزز شعورهم بالانتماء والمشاركة في الشأن العام.
ومن المؤسف أن بعض الأصوات ما زالت تنظر إلى استعمال الأمازيغية داخل البرلمان بنوع من السخرية أو التحفظ، بدافع حساسيات سياسية أو إيديولوجية لا تنسجم مع روح الدستور ولا مع الاختيارات الوطنية للمملكة المغربية. فالسخرية من لغة رسمية للدولة أو من المتحدثين بها لا تخدم قيم الديمقراطية والتعددية، بل تتعارض مع مبادئ الاحترام المتبادل والاعتراف بالتنوع الذي يشكل مصدر غنى للمجتمع المغربي.
إن المطلوب اليوم هو برلمانيون يدافعون عن قضايا المواطنين بلغاتهم المختلفة، ويجعلون من المؤسسة التشريعية فضاءً يعكس حقيقة المجتمع المغربي بكل مكوناته. فالأولوية ليست فقط للغة المستعملة، وإنما للمضامين التي تحملها المداخلات، وللقدرة على نقل هموم الشعب المتعلقة بالتعليم والصحة والشغل والعدالة الاجتماعية والتنمية المجالية. غير أن تمكين البرلماني من التعبير بالأمازيغية يظل جزءًا أساسيًا من هذا التمثيل الديمقراطي الحقيقي.
إن تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية لا يكتمل بالنصوص القانونية وحدها، بل يحتاج إلى ممارسات يومية داخل المؤسسات، وعلى رأسها البرلمان. لذلك، فإن تشجيع البرلمانيين على استعمال الأمازيغية في مداخلاتهم يعد خطوة مهمة نحو ترسيخ العدالة اللغوية والثقافية، وإعطاء المضمون الحقيقي للمقتضيات الدستورية ذات الصلة.
فإن الأمازيغية داخل قبة البرلمان ليست موضوعًا للنقاش حول مشروعيتها، لأنها لغة رسمية يحميها الدستور، وإنما القضية الأساسية هي كيف نجعل من هذا الحق وسيلة لتعزيز المشاركة الديمقراطية وتمثيل مختلف فئات الشعب المغربي. فالمغرب يحتاج إلى برلمانيين يعتزون بهويتهم الوطنية، ويترافعون بصدق عن هموم المواطنين، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والحساسيات الضيقة.
17/06/2026