لم تكن الرياح التي هبّت على مشروع توسعة ميناء مليلية المحتلة محمّلة هذه المرة برائحة البحر فقط، بل جاءت مثقلة بقرار بيئي صارم أربك حسابات سلطات الاحتلال الإسباني، وأعاد خلط أوراق أحد أقدم المشاريع المينائية في المدينة.
فبعد سنوات من الترويج لمخططات توسعية بحرية واسعة، ورسم تصورات لمستقبل بحري طموح، اصطدمت هذه المشاريع بجدار بيئي صلب، بعدما خلصت الجهات المختصة إلى أن التوسعة قد تُخلّف أثراً دائماً وغير قابل للعكس على النظام البحري للمنطقة.
في ملف تتقاطع فيه رهانات الاقتصاد مع حسابات النفوذ وحساسية الجغرافيا، يبرز سؤال أعمق: هل اصطدمت مشاريع إعادة تشكيل الواجهة البحرية لمليلية المحتلة بحدود الواقع البيئي؟ أم أن الطبيعة فرضت كلمتها في مواجهة مشاريع ظلت تُقدَّم لسنوات كرافعة استراتيجية للنمو والتوسع؟
بعد أكثر من ثماني سنوات من الدراسات والانتظار، وجهت السلطات البيئية الإسبانية ضربة قوية لمشروع توسعة ميناء مليلية المحتلة، عقب صدور قرار رسمي عن وزارة الانتقال الإيكولوجي والتحدي الديموغرافي الإسبانية، اعتبر أن المشروع قد يتسبب في «تأثير سلبي دائم وغير قابل للعكس» على البيئة البحرية.
القرار، المنشور في الجريدة الرسمية، استند إلى تقرير علمي أعده خبراء بطلب من الوزارة، أوصى بشكل صريح بعدم منح المشروع الموافقة البيئية، محذراً من تهديدات تمس عدداً من الأنواع البحرية الحساسة، وعلى رأسها Patella ferruginea، وهي رخويات بحرية تعيش ملتصقة بالصخور وتُصنَّف ضمن الأنواع المهددة بالانقراض.
وبحسب التقرير، فإن مشروع التوسعة لم يعد مجرد عملية هندسية لتوسيع الأرصفة واستصلاح مساحات من البحر، بل تحوّل إلى ملف بيئي شديد الحساسية، نظراً لآثاره «المباشرة والتراكمية والدائمة»، والتي قد تمتد لتشمل أيضاً أنواعاً بحرية أخرى هشة في المنطقة.
لم يعد مشروع توسعة ميناء مليلية المحتلة مجرد ملف بيئي متعثر، بل أصبح مرآة قاسية تكشف حدود الطموح حين يُبنى خارج سياق التحولات الكبرى التي تعرفها المنطقة. فبينما كانت المخططات الإسبانية ترسم امتداداً بحرياً على نحو 60 هكتاراً من البحر، كانت الجغرافيا الإقليمية تتغير بصمت، ويُعاد تشكيل ميزان القوة المينائية في الضفة الجنوبية للمتوسط.
ثماني سنوات من الانتظار انتهت إلى قرار بيئي صارم يضع المشروع في خانة “الأثر غير القابل للعكس”. غير أن هذا التعثر لم يعد يُقاس فقط بميزان البيئة، بل أيضاً بميزان المنافسة الإقليمية، حيث يبرز لاعب جديد بثقل استراتيجي متصاعد: ميناء الناظور غرب المتوسط، الورش الملكي الذي يشكّل إحدى ركائز التحول البحري في غرب المتوسط.
كان الرهان الإسباني في مليلية يقوم على حلم تحويل الميناء إلى منصة حاويات قادرة على استقطاب جزء من حركة النقل البحري الدولي، عبر توسعة تشمل استصلاح نحو 60 هكتاراً من البحر، وبناء محطة بعمق يصل إلى 18 متراً، وبطاقة قد تبلغ 2.5 مليون حاوية في المراحل النهائية.
لكن هذا التصور، القائم على التوسع الهندسي والاستثمار الضخم، اصطدم اليوم بعائقين متوازيين: جدار بيئي صارم داخل المنظومة الإسبانية نفسها، وجدار جيو-اقتصادي خارجي يتمثل في صعود موانئ مغربية كبرى تعيد رسم خريطة التنافس البحري في المنطقة.
وعلى مقربة من الثغر، وعلى بعد أميال قليلة، يُقدَّم مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط ليس مجرد بنية تحتية، بل كجزء من ورش استراتيجي ملكي يعيد تشكيل المنظومة اللوجستية للمغرب على ضفاف المتوسط.
مشروع يقوم على رؤية متكاملة تربط بين الطاقة والصناعة واللوجستيك والمناطق الحرة، بما يجعل من الناظور نقطة ارتكاز جديدة في حركة التجارة الإقليمية والدولية.
هنا، لا يتعلق الأمر بتوسعة ميناء فقط، بل ببناء منظومة اقتصادية بحرية متكاملة، تتحرك بوتيرة تنفيذية واستثمارية تعكس تحولاً أعمق في فلسفة التنمية: من مشاريع محدودة التأثير إلى أقطاب بحرية كبرى قادرة على إعادة توزيع الأدوار في غرب المتوسط.
المفارقة التي يفرضها الواقع اليوم واضحة: مشروع مليلية، الذي رُوّج له منذ 2004 كمدخل لمنافسة الموانئ العالمية، يجد نفسه اليوم محاصراً بتعقيدات بيئية وبنيوية متزايدة. في المقابل، تتقدم مشاريع موازية في باقي التراب المغربي بخطى ثابتة ضمن رؤية تعتبر الميناء ليس مجرد بنية تحتية، بل رافعة سيادية واقتصادية في آن واحد.
وهكذا يتحول النقاش من توسعة هكتارات بحرية إلى سؤال أوسع: من يملك القدرة على تحويل الجغرافيا إلى قوة اقتصادية فعلية في المتوسط الجديد؟
القرار البيئي الإسباني لم يكن مجرد وثيقة تقنية، بل لحظة كشف لحدود مشروع ظل يُقدَّم لسنوات كـ“ضرورة اقتصادية”. لكن حين تتقاطع البيئة مع الجغرافيا السياسية، تصبح الحسابات أعقد من مجرد أرقام استثمارية أو طاقة استيعابية للحاويات.
وفي الخلفية، يبرز مشهد أوسع: موانئ تتعثر تحت ضغط القيود الداخلية، وأخرى تتقدم ضمن ديناميات إقليمية متسارعة تعيد تعريف مفهوم القوة البحرية بعيداً عن الخطابات التقليدية.
قد لا تكون القصة مجرد تعثر مشروع في مليلية، ولا مجرد نجاح ورش في الناظور، لكنها في العمق تعبير عن لحظة انتقال في غرب المتوسط، حيث لم تعد الموانئ تُقاس فقط بالمساحة أو العمق، بل بقدرتها على الاندماج في منظومة إقليمية تتحرك بسرعة تفوق قدرة بعض المشاريع على اللحاق بها.
وفي هذا المشهد المتغير، يبدو أن بعض الأحلام البحرية لا تنتهي لأنها فشلت فقط… بل لأنها لم تعد قادرة على مجابهة موجة أوسع تُعاد بها صياغة خرائط البحر نفسه.
17/06/2026