في الوقت الذي لا تزال فيه بعض الأطراف تقرأ التحولات الإقليمية بمنطق حسابات الماضي، يبدو أن موازين النفوذ الدولي تتحرك وفق معادلات جديدة. فالمغرب يواصل تعزيز موقعه كشريك استراتيجي على الساحة الدولية، مستنداً إلى دبلوماسية هادئة تقوم على بناء العلاقات طويلة الأمد، وتوسيع دوائر التأثير، بعيداً عن ردود الفعل الظرفية.
وفي قلب هذا التحول، تبرز العلاقات المغربية الأمريكية كأحد أبرز المؤشرات على تغير قواعد اللعبة، بعدما أصبح حضور الرباط أكثر وضوحاً داخل واشنطن، سواء على المستوى السياسي أو الاستراتيجي أو في الملفات المرتبطة بالأمن الإقليمي.
وبحسب تقرير نقلته صحيفة إسبانية عن منصة “أفريكا إنتليجنس”، فقد شهدت الفترة الأخيرة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً بين الرباط ودوائر مؤثرة في الكونغرس الأمريكي، بعد استقبال وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة وفوداً من المؤسسة التشريعية الأمريكية خلال أسابيع قليلة، في خطوة تعكس استمرار قنوات التواصل رفيعة المستوى.
ويشير التقرير إلى الدور الذي لعبه اللوبي الأمريكي غاريت فنتري، عبر شبكة علاقاته داخل المشهد السياسي الأمريكي، في تعزيز جسور التواصل بين المغرب وعدد من الشخصيات المؤثرة، خصوصاً داخل التيار المحافظ والحزب الجمهوري.
هذا الحضور لا يبدو وليد ظرف عابر، بل يعكس توجهاً مغربياً قائماً على الاستثمار في العلاقات الدولية وبناء شراكات داخل مراكز صناعة القرار، حيث لا تُحسم الملفات الكبرى فقط بالتصريحات، وإنما أيضاً عبر النفوذ الهادئ والتراكم الدبلوماسي.
وتفيد المعطيات بأن فنتري عمل مستشاراً لشركة ThirdCircle Inc. التي كُلّفت من طرف سفارة المغرب في واشنطن بالدفاع عن مصالح المملكة وفق القوانين الأمريكية المنظمة لأنشطة الضغط السياسي.
كما ارتبط اسمه بتسهيل عدد من اللقاءات والاتصالات مع شخصيات أمريكية بارزة، من بينها ماركو روبيو، ومايك والتز، وتولسي غابارد، إضافة إلى السيناتور ليندسي غراهام، أحد الأصوات المؤثرة داخل الحزب الجمهوري.
وكان لقاء غراهام مع وزير الخارجية المغربي في الدار البيضاء سنة 2023 محطة عكست حجم التقارب المتزايد بين الرباط ودوائر مؤثرة في العاصمة الأمريكية.
كما يبرز اسم السيناتور تيد كروز ضمن الشخصيات التي ارتبطت بهذه الاتصالات، وهو المعروف بمواقفه الداعمة لإعادة النظر في طريقة التعاطي مع ملف جبهة البوليساريو.
ومع عودة إدارة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ترى تقارير أن العلاقات المغربية الأمريكية دخلت مرحلة جديدة من الزخم، خصوصاً في ظل استمرار الموقف الأمريكي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي التي يطرحها المغرب كحل سياسي لقضية الصحراء.
وفي هذا السياق، استقبل ناصر بوريطة يوم 25 ماي الماضي وفداً من الكونغرس الأمريكي بالرباط برئاسة النائب ترنت كيلي، بحضور مسؤولين مغاربة في مجالات الدفاع والأمن، من بينهم عبد اللطيف لوديي والفريق أول محمد بريظ.
كما تواصل الحراك عبر استقبال وفد أمريكي آخر برئاسة فيرن بوكانان يوم 12 يونيو، إلى جانب لقاءات أجراها رئيس مجلس النواب المغربي رشيد الطالبي العلمي مع أعضاء الوفد.
وتشير بيانات مركز OpenSecrets المتخصص في تتبع الإنفاق السياسي في الولايات المتحدة إلى تنامي الموارد المخصصة لهذا النشاط خلال السنوات الأخيرة، بما يعكس حجم الاهتمام بالمعركة الدبلوماسية داخل العاصمة الأمريكية.
وبينما راهن البعض على بقاء المغرب في موقع الدفاع، تكشف التحركات الأخيرة أن المملكة اختارت الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً: صناعة الحضور بدل انتظار الأحداث.
ففي عالم السياسة الدولية، لا تُحسم المعارك فقط بمن يرفع صوته أكثر، بل بمن ينجح في بناء شبكات تحالف قوية، وتحويل العلاقات إلى أوراق تأثير.
وهكذا يجد خصوم المغرب أنفسهم أمام مشهد جديد: المملكة التي حاول البعض حصر دورها في محيطها الإقليمي، أصبحت اليوم لاعباً حاضراً في النقاشات الكبرى، من الأمن الإقليمي إلى الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية.
لقد تغيرت قواعد اللعبة؛ فالمعارك الدبلوماسية لا تُدار بالضجيج، بل بالنَفَس الطويل، وبالقدرة على التحرك داخل العواصم التي تُصنع فيها القرارات.
ويبدو أن الرباط اختارت مساراً واضحاً: بناء نفوذ هادئ، تراكم مستمر، وتحالفات تتجاوز اللحظة العابرة… فيما يبقى السؤال مطروحاً أمام خصومها: هل ما زالوا يواجهون مغرب الأمس، أم أنهم تأخروا في اكتشاف مغرب جديد؟
17/06/2026