kawalisrif@hotmail.com

مليلية تحت المجهر :     بدل المتسوقين في أكبر مول، الشرطة الإسبانية تلاحق شبهة تهريب ملايين اليوروهات إلى جبل طارق

مليلية تحت المجهر : بدل المتسوقين في أكبر مول، الشرطة الإسبانية تلاحق شبهة تهريب ملايين اليوروهات إلى جبل طارق

مرة أخرى، تجد مليلية المحتلة نفسها في واجهة الأخبار، لكن هذه المرة ليس بسبب حركة التجارة العابرة للحدود، أو الماركات العالمية التي تستقطب المتسوقين، أو التخفيضات الموسمية التي تجذب الزوار، ولا حتى بسبب المشاريع الاستثمارية التي طالما رُوِّج لها باعتبارها قاطرة للتنمية، بل بسبب تحقيق مالي وقضائي يضع ملايين اليوروهات تحت المجهر، ويقود خيوطه، وفق المحققين الإسبان، إلى جبل طارق.

فالشرطة الوطنية الإسبانية فتحت واحداً من أكثر الملفات العقارية حساسية خلال السنوات الأخيرة، بعدما وضعت مشروع المركز التجاري “باركي مورياس”، المحاذي لمعبر باب مليلية، في صلب تحقيق يتعلق بشبهات استغلال النفوذ، واختلاس المال العام، ومخالفات في تدبير العقارات، في قضية يُرجح أن تكون من أبرز ملفات الفساد العمراني التي عرفتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.

ووفق ما أورده تقرير أعدته وحدة مكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية، فإن التحقيقات الجارية في ما يعرف بقضية “سانتياغو-روسادير” تشير إلى وجود شبهات بارتكاب جرائم تتعلق باستغلال النفوذ، واختلاس المال العام، ومخالفات في تدبير وتطوير العقارات التي أُقيم فوقها لاحقاً أكبر مركز تجاري في مليلية المحتلة، مع ترجيح انتقال جزء من الأموال محل الشبهة إلى حسابات مصرفية في جبل طارق.

ويستند هذا المسار من التحقيق إلى معلومات قدمها مصدر سري للشرطة خلال شهر فبراير الماضي، أكد فيها أن الأرباح المتحصلة من العملية المشتبه فيها استُخدمت، بحسب المزاعم، للتهرب من أداء ضرائب محلية تتراوح قيمتها بين سبعة وثمانية ملايين يورو. كما أثار التقرير شبهة تحويل جزء من هذه الأموال إلى حسابات مصرفية مرتبطة بأشخاص لهم علاقة مباشرة بالمشروع.

وتعود بداية خيوط القضية إلى مارس 2024، عندما عثرت الشرطة، خلال مداهمة منزل رجل أعمال من مليلية المحتلة، على وثيقة مكتوبة بخط اليد تتحدث عما سُمّي بـ”عملية فالينثويلا”، وهو الاسم الذي يُعتقد أنه أُطلق على عملية شراء وتطوير العقارات التي شُيّد فوقها المركز التجاري، قبل أن تقود المعلومات التي وفرها المصدر السري إلى ربط تلك الوثيقة بسلسلة من العمليات العقارية التي رافقت إنجاز المشروع.

وترى وحدة مكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية أن المعطيات المتوفرة تتضمن مؤشرات كافية لتوسيع دائرة البحث وتعميق التحقيق بشأن شبهات ارتكاب جرائم مرتبطة بتدبير الأراضي وإنجاز المشروع التجاري، الذي افتُتح سنة 2017 باستثمارات قاربت 50 مليون يورو. كما امتد نطاق التحقيق ليشمل مسؤولين سياسيين وتقنيين سابقين تعاقبوا على تسيير حكومة مليلية المحتلة، دون أن تكون العدالة الإسبانية قد أصدرت، إلى حدود الساعة، أي أحكام نهائية تثبت مسؤولية أي من الأطراف الواردة أسماؤها في الملف، وهو ما يجعل قرينة البراءة قائمة إلى حين انتهاء المساطر القضائية.

والمفارقة أن المشروع الذي قُدِّم يوماً باعتباره رمزاً للتنمية وجذب الاستثمارات، بات اليوم يُستحضر في محاضر الشرطة أكثر مما يُستحضر في التقارير الاقتصادية. فبدل أن تكون حركة المتسوقين هي الحدث، أصبحت حركة الأموال هي التي تستأثر باهتمام المحققين، وبدل أن تتجه الأنظار إلى واجهات المحلات، اتجهت إلى الحسابات البنكية، في مشهد يلخص كيف يمكن لمشروع رُفع تحت شعار التنمية أن ينتهي في أروقة التحقيقات.

وبين ملايين اليوروهات المشتبه في اختفائها، والحسابات التي تقود خيوطها إلى جبل طارق، والاتهامات التي تطال مسؤولين سابقين، يبدو أن ملف “باركي مورياس” مرشح لأن يتحول إلى واحدة من أكبر قضايا الفساد التي هزت مليلية المحتلة.

وهكذا، لم يعد اسم “باركي مورياس” يرتبط فقط بواجهات المحلات والعروض التجارية، بل أيضاً بمحاضر الشرطة وخيوط تحقيق امتدت من مليلية المحتلة إلى صخرة جبل طارق. وإذا كان المتسوقون يقصدون المول بحثاً عن التخفيضات، فإن المحققين الإسبان يقصدونه اليوم بحثاً عن أثر ملايين اليوروهات التي يُشتبه في أنها غادرت المدينة في اتجاه آخر.

وبين مدينة تُسوَّق باعتبارها بوابة للتجارة، وصخرة اشتهرت بكونها محطة لعبور الأموال، يبقى القضاء الإسباني وحده من سيحسم ما إذا كانت القصة مجرد شبهات، أم أن وراء واجهات الزجاج والإسمنت حكاية فساد أكبر مما كان يُعتقد.

24/06/2026

مقالات خاصة

Related Posts