تحولت قصة دير بيلورادو في إسبانيا إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، بعدما طالبت النيابة العامة والادعاء الخاص بالحكم بالسجن 12 سنة على كل واحدة من سبع راهبات سابقات، على خلفية اتهامات تتعلق بالإكراه، والإهمال، والمعاملة المهينة، وترك خمس راهبات مسنات في وضعية هشّة دون الرعاية اللازمة، إضافة إلى شبهات مرتبطة بإدارة الأموال.
الراهبات السابقات، المنتميات إلى جماعة كلاريسا المنشقة عن الكنيسة الكاثوليكية، رفضن هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، وأكدن أنهن “بريئات تماماً”، معتبرات أن ما يحدث هو “اضطهاد” بسبب قراراتهن الدينية، فيما وصفن الضغوط التي يتعرضن لها بأنها تشبه “مطاردة الساحرات”.
لكن التحقيقات القضائية رسمت صورة مختلفة، إذ اعتبرت قاضية التحقيق أن الراهبات المسنات كن في وضعية ضعف واعتماد، وأنهن لم يكن قادرات على اتخاذ قراراتهن بشكل مستقل بسبب تدهور حالتهن الصحية.
وتعود بداية القضية إلى سنة 2024، عندما أعلنت رئيسة الدير عن الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية وعدم الاعتراف بسلطة البابا، وهو ما أدى إلى انشقاق داخل الجماعة وصدور قرار بالحرمان الكنسي.
وبحسب وثائق القضية، فإن عدداً من الراهبات غادرن الدير بعد تعرضهن، وفق تصريحاتهن، لما وصفنه بالإهانات والضغوط والتهديدات، قبل أن تتوسع التحقيقات لتشمل ظروف إقامة خمس راهبات مسنات تتراوح أعمارهن بين 87 و101 سنة.
السلطات الإسبانية تدخلت بعد انتقال المجموعة إلى دير أوردونيا، حيث تم العثور على الراهبات المسنات في ظروف وصفتها التقارير الطبية والقضائية بأنها مقلقة. وأفادت المعاينات بوجود نقص في النظافة والرعاية، مع تسجيل وجود كلاب داخل غرفة إحدى الراهبات فوق السرير، وبقايا فضلات وبول، إضافة إلى راهبات أخريات كن في حاجة إلى المساعدة والعناية.
كما أشار التقرير الطبي الشرعي إلى أن إحدى الراهبات دخلت المستشفى وهي تعاني من حالة صحية خطيرة مرتبطة بالتهاب وقصور في الجهاز التنفسي، قبل أن تتوفى لاحقاً بعد مغادرتها المستشفى.
القاضية اعتبرت أن هذه الوقائع قد تشير إلى “إخلال بواجب الرعاية”، وأن الراهبات المسنات ربما تعرضن لما وصفته بـ”المعاملة المهينة التي تمس الكرامة”، مع وجود تأثير وسيطرة على قراراتهن بسبب تراجع قدراتهن الإدراكية.
ولم تتوقف القضية عند الجانب الإنساني، إذ فتحت التحقيقات أيضاً باب الشبهات المالية، بعدما رجحت المحكمة وجود دوافع اقتصادية مرتبطة بتجميد حسابات الدير بعد الانشقاق، والحاجة إلى موارد مالية. وتشير المعطيات إلى فتح حسابات مشتركة باسم الراهبات المسنات، مع اتهامات بإجراء تحويلات مالية عديدة من طرف المتابعات.
في المقابل، تصر الراهبات السابقات على أنهن لم يلحقن أي ضرر بأخواتهن المسنات، وأنهن تصرفن بدافع الإيمان والقناعة، مؤكدات أنهن سيواصلن الدفاع عن موقفهن أمام القضاء.
وبين رواية تتحدث عن اضطهاد ديني، وأخرى تتحدث عن إهمال واستغلال لأشخاص في وضعية ضعف، تبقى قضية دير بيلورادو مفتوحة على فصول جديدة، حيث ستحدد المحكمة ما إذا كانت الجدران التي عاشت خلفها الراهبات سنوات طويلة قد أخفت قصة إيمان وتمرد… أم قصة معاناة لم تجد طريقها إلى الضوء إلا بعد فوات الأوان.
01/07/2026