في خطوة تعكس استمرار بعض المنابر الإعلامية الإسبانية في الارتهان لخطاب سياسي متجاوز، استغلت صحيفة “إل إنديبنديينتي” أجواء كأس العالم 2026 لتوجيه هجوم جديد ضد المغرب، بعدما نشرت مقالاً مطولاً حاولت فيه إقحام قضية الصحراء المغربية وملفي سبتة ومليلية المحتلتين في حدث رياضي عالمي، بعيداً عن أي صلة مباشرة بالمنافسة الكروية.
الصحيفة، التي اختارت عنواناً يتحدث عن “الطموحات التوسعية للمغرب”، بنت سرديتها على ظهور مشجع مغربي في مدرجات مباراة المغرب وهولندا مرتدياً لباساً صحراوياً تقليدياً (الدراعة)، مع محاولة ربطه بشكل متكلف بحركة المشجع الكونغولي الذي يجسد “لومومبا فيا”، لتنسج من هذه الواقعة رواية سياسية أعادت من خلالها ترديد أطروحات جبهة البوليساريو، مقدّمة إياها وكأنها حقائق مسلّم بها، من دون الإشارة إلى التطورات الدبلوماسية والقانونية التي يعرفها الملف.
ولم تكتفِ الصحيفة بذلك، بل ذهبت إلى اتهام المغرب بالسعي إلى “طمس الثقافة الصحراوية”، مستندة إلى مزاعم متداولة لدى جهات مؤيدة للانفصال، في تجاهل واضح لحقيقة أن الثقافة الحسانية مكوّن أصيل من الهوية الوطنية المغربية، وتحظى باعتراف دستوري ورعاية رسمية ضمن الموروث الثقافي للمملكة.
كما أعادت الصحيفة تدوير الجدل المرتبط بتصريحات نُسبت إلى الحارس المغربي منير المحمدي بشأن سبتة ومليلية المحتلتين، محاولة الإيحاء بأن المنتخب المغربي يحمل “أجندة سياسية”، رغم أن التصريحات الفردية لا تمثل بالضرورة الموقف الرسمي للمؤسسات الرياضية أو للدولة.
ولم يسلم ملف مونديال 2030 من هذا التناول، إذ حاولت الصحيفة تصوير المنافسة بين ملعب الحسن الثاني والملعب الإسباني لاحتضان المباراة النهائية باعتبارها امتداداً لـ”صراع سياسي”، متجاهلة أن اختيار الملاعب يبقى اختصاصاً حصرياً للاتحاد الدولي لكرة القدم، وفق معايير تقنية وتنظيمية واضحة.
ويأتي هذا الخطاب الإعلامي في وقت يشهد فيه ملف الصحراء المغربية تحولات دولية متسارعة، مع اتساع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب باعتبارها حلاً جاداً وذا مصداقية وواقعياً، مقابل استمرار بعض المنابر الإسبانية في اجترار سرديات تعود إلى عقود مضت، وكأنها تحاول تعويض ما خسرته تلك الأطروحات في أروقة الدبلوماسية بإعادة تدويرها على صفحات الجرائد.
وبينما يواصل المغرب ترسيخ حضوره قارياً ودولياً، يبدو أن بعض الأقلام في مدريد ما زالت تفضل خوض “مبارياتها” ضد المملكة من وراء شاشات التحرير، بعد أن أصبحت الوقائع على الأرض والاعترافات الدولية أقل قابلية لمجاراة الروايات التي تروّج لها .
لكن الطابع “السياسي” الذي حاولت الصحيفة النفخ فيه أكثر مما يحتمل، بلغ ذروته حين قررت أن تكتشف في المدرجات ما عجزت عنه في أرضية الملعب. فـ“لومومبا فيا”، المشجع الكونغولي الذي حوّل لحظة رياضية إلى وقفة رمزية على طريقة تمثال باتريس لومومبا، قُدِّم بشكل يوحي وكأنه مادة جاهزة لإسقاطات سياسية، رغم أن الأمر في جوهره تعبير فردي احتجاجي مرتبط بسياقه الإفريقي، لا بياناً عابراً للقارات.
أما القفزة “التحليلية” الأجرأ، فكانت عندما تحوّل فعل رمزي محدود إلى “إلهام عابر للحدود”، يُفترض أنه وصل ـ حسب منطق التأويل المفرط ـ إلى مدرجات الجماهير المغربية في لحظات، ليُعاد إنتاجه فوراً كـ“دلالة سياسية عميقة”. وهنا يبدو أن سرعة تضخيم الرموز في النص تفوق حتى سرعة تقنية الفيديو في حسم اللقطات الجدلية.
ففي مباراة المغرب وهولندا، ظهر مشجع يرتدي “الدراعة” الصحراوية التقليدية في سياق احتفالي بحت، قبل أن يُعاد تقديمه في المقال وكأنه خرج لتوه من جلسة تفاوض سياسي داخل المدرجات. والحال أن ما حدث لا يعدو كونه حضوراً لرمز ثقافي صحراوي مغربي أصيل داخل فضاء كروي عالمي، حيث تختلط الهتافات بالأعلام ولا تحتاج الأزياء التقليدية إلى “ترخيص تأويلي” أو ختم قراءة سياسية مسبقة.
المفارقة أن ما بدأ كحركة رمزية إنسانية في سياق إفريقي، انتهى في المقال كأنه “سلسلة إنتاج جاهزة للدلالات السياسية”، وكأن المدرجات تحوّلت إلى مؤتمر أممي مصغّر، والجماهير إلى وفود دبلوماسية تنتظر قراءة البيان بين الشوطين.
ويبدو أن الإشكال ليس في ما يجري داخل الملاعب، بل في عدسة تُصرّ على رؤية السياسة حتى في تفاصيل الاحتفال… حتى لو كان مجرد مشجع قرر أن يقف للحظة أو يصفّق بإيقاع مختلف.
