kawalisrif@hotmail.com

هل خرجت إيران أقوى من الحرب؟ … ترامب أراد إسقاط النظام فانتهى بإعادة تشكيله وإطلاق أخطر جيل في تاريخ الجمهورية الصفوية

هل خرجت إيران أقوى من الحرب؟ … ترامب أراد إسقاط النظام فانتهى بإعادة تشكيله وإطلاق أخطر جيل في تاريخ الجمهورية الصفوية

ما كان يُفترض أن يكون الضربة القاضية للجمهورية الإسلامية، تحوّل إلى لحظة ميلاد جديدة للنظام الإيراني. فبعد أشهر من الحرب الأعنف بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تسقط طهران كما توقعت واشنطن، ولم ينهَر النظام كما راهنت عليه تل أبيب، بل خرج بوجه جديد، وقيادة مختلفة، وخطاب أكثر تشدداً، فيما دخل الشرق الأوسط مرحلة غير مسبوقة من إعادة رسم موازين القوة.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أن عملياته العسكرية غيّرت وجه إيران، لكن ما حدث على الأرض يبدو أكثر تعقيداً. فالحرب التي أودت بحياة المرشد الأعلى علي خامنئي، وعدد كبير من كبار قادة الحرس الثوري، لم تُنهِ الجمهورية الإسلامية، بل أزاحت الحرس القديم، وفتحت الطريق أمام جيل جديد من القادة تربّى داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، ويبدو أقل ميلاً للتردد وأكثر استعداداً للمواجهة.

ولعل المفارقة الكبرى أن الاتفاق الذي أوقف الحرب وُقّع داخل قصر فرساي، المكان الذي شهد قبل أكثر من قرن توقيع معاهدة أنهت الحرب العالمية الأولى، في مشهد اعتبره كثيرون رسالة سياسية بقدر ما كان اتفاقاً عسكرياً. لكن التاريخ نفسه يبعث بتحذير واضح؛ فمعاهدة فرساي صنعت سلاماً مؤقتاً، قبل أن تمهد لحرب عالمية أكثر دموية، وهو ما يدفع مراقبين إلى التساؤل: هل يعيش الشرق الأوسط هدنة قصيرة فقط قبل انفجار أكبر؟

ورغم وقف إطلاق النار، فإن جذور الأزمة لم تُقتلع. فالبرنامج النووي الإيراني لم يُدمَّر بالكامل كما أعلنت واشنطن، والقدرات الصاروخية الإيرانية ما زالت قائمة، فيما لا يزال مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية تستطيع طهران استخدامها متى شعرت بأن وجودها مهدد.

لكن أخطر ما كشفت عنه الحرب هو أن إيران لم تعد تُدار بالعقلية نفسها التي حكمتها منذ ثورة 1979. فالقادة الجدد الذين صعدوا إلى قمة السلطة ينتمون إلى جيل تشكل وسط العقوبات والاغتيالات والحروب، ولا يحمل الإرث السياسي الذي قيّد أسلافهم لعقود. هؤلاء يعتبرون أن التراجع لم يعد خياراً، وأن الردع لا يتحقق إلا بإظهار الاستعداد لاستخدام القوة دون حسابات الماضي.

ولم تقتصر المفاجأة على صمود النظام، بل امتدت إلى قدرته على نقل المعركة إلى المصالح الأمريكية في المنطقة. فقد تعرضت قواعد عسكرية أمريكية لهجمات مباشرة، وأصبحت دول الخليج نفسها أمام واقع جديد، بعدما اكتشفت أن استضافة القواعد الأمريكية قد تجعلها جزءاً من أي حرب مقبلة، لا مجرد حليف بعيد عن ساحة القتال.

وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تعتقد أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية ستدفع الإيرانيين إلى إسقاط نظامهم، جاءت النتائج بعكس التوقعات. فالقصف الأمريكي والإسرائيلي عزز لدى كثير من الإيرانيين الشعور بأن بلادهم تواجه حرباً خارجية، وهو ما منح القيادة الجديدة فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، واستثمار المشاعر الوطنية لاستعادة جزء من الشرعية التي فقدتها خلال سنوات الاحتجاجات.

ورغم الخسائر الهائلة التي لحقت بالاقتصاد الإيراني وبمنشآته النووية والعسكرية، فإن طهران انتقلت سريعاً من لغة المواجهة إلى لغة التفاوض، مستفيدة من استعداد واشنطن لبحث تخفيف العقوبات مقابل تنازلات نووية. وباتت مليارات الدولارات المجمدة، واحتمال رفع العقوبات، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، أوراقاً مغرية قد تمنح النظام متنفساً اقتصادياً طال انتظاره.

غير أن الصورة لا تزال بعيدة عن الاستقرار. فكل ما تحقق حتى الآن يقوم على هدنة هشة، فيما لا تزال الملفات الأكثر تعقيداً، من البرنامج النووي إلى نفوذ إيران الإقليمي وأمن الخليج، معلقة دون حلول نهائية.

وهكذا، تبدو المفارقة لافتة؛ فالحرب التي خيضت لإضعاف إيران انتهت بإنتاج قيادة أكثر صلابة، وأكثر ارتباطاً بالحرس الثوري، وأقل استعداداً لتقديم التنازلات. أما ترامب، الذي أراد تغيير النظام، فقد يكون نجح بالفعل في تغييره، لكن ليس بالطريقة التي كانت تتمناها واشنطن، بل بطريقة قد تجعل الجمهورية الإسلامية أكثر تماسكاً وقدرة على إعادة التموضع في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الشرق الأوسط.إذا كان الهدف النشر في موقع إخباري، فهذا الأسلوب أقرب إلى التحليل السياسي المشوق الذي يجذب القارئ منذ العنوان وحتى الخاتمة، مع الحفاظ على عرض الوقائع والتحليلات دون الجزم بما هو محل خلاف.

كواليس الريف :

06/07/2026

مقالات خاصة

Related Posts