تُعد عبارة “زيدو لقدّام” واحدة من العبارات التي تجاوزت معناها المباشر لتتحول إلى رمز حاضر في الذاكرة التاريخية المغربية، بعدما ارتبطت برجال الكَوم والطابور المغربي خلال الحرب العالمية الثانية. فالكلمات التي تعني في الدارجة المغربية “واصلوا التقدم”، لم تكن مجرد نداء ميداني أثناء المعارك، بل أصبحت تعبيراً عن روح الشجاعة والصمود التي ميزت المقاتلين المغاربة الذين انتقلوا من جبال الأطلس إلى جبهات القتال في شمال إفريقيا وأوروبا، حيث تركوا أثراً بارزاً في مسار الحرب. وقد شكلت وحدات الكَوم والطابور، التي ضمت مقاتلين مغاربة عُرفوا بالقدرة على التحمل والقتال في التضاريس الصعبة، جزءاً أساسياً من جيش إفريقيا الذي شارك إلى جانب الحلفاء.
وخلال الحرب العالمية الثانية، شارك نحو 85 ألف مغربي ضمن هذه الوحدات العسكرية، وخاضوا معارك حاسمة في تونس وإيطاليا وفرنسا وألمانيا، حيث اشتهروا بالانضباط والفاعلية في العمليات المعقدة. وكان من أبرز محطات مشاركتهم معركة مونتي كاسينو سنة 1944، التي تمكنت خلالها الطابورات المغربية من اختراق مواقع جبلية استعصت طويلاً على قوات الحلفاء، قبل أن تواصل تقدمها في عمليات تحرير كورسيكا وبروفانس ومرسيليا والألزاس وصولاً إلى الأراضي الألمانية. وخلال هذه المسيرة، تحولت عبارة “زيدو لقدّام” إلى شعار يرافق تقدم المقاتلين، يعبر عن الإصرار والثقة وعدم التراجع، كما ارتبطت بالجنرال الفرنسي أوغستان غيوم الذي قاد عدداً من هذه الوحدات وأعجب بروحها القتالية، فاعتمدها ضمن خطابه التحفيزي بين الجنود.
وبعد انتهاء الحرب، انتقلت العبارة من ساحات القتال إلى الذاكرة الشعبية من خلال “نشيد الطابور” الذي خلد رحلة المقاتلين المغاربة وتضحياتهم عبر مختلف الجبهات. واليوم تستعيد “زيدو لقدّام” حضورها في سياق مختلف، مع المواجهة الرياضية المرتقبة بين المنتخب المغربي ونظيره الفرنسي في ربع نهائي كأس العالم 2026، حيث لم تعد مرتبطة بالمعارك، بل تحمل دلالة رمزية تعكس الطموح والعزيمة وروح التحدي. ومن جبال الأطلس التي انطلق منها رجال الكَوم والطابور إلى الملاعب العالمية التي يحتضنها المونديال، تظل هذه العبارة شاهدة على رابط يجمع بين ذاكرة تاريخية وطموحات الحاضر، باعتبارها عنواناً للإصرار ومواصلة التقدم.
08/07/2026