kawalisrif@hotmail.com

القاتل الصامت يفتك بالأوروبيين.. موجات الحر تسرق الأعمار بصمت وتأثيرها يفوق التدخين والكحول

القاتل الصامت يفتك بالأوروبيين.. موجات الحر تسرق الأعمار بصمت وتأثيرها يفوق التدخين والكحول

كشفت دراسات علمية حديثة أن موجات الحر المتكررة لم تعد مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل أصبحت تهديداً صحياً خطيراً يُسرّع الشيخوخة البيولوجية ويختصر سنوات من عمر الإنسان، في نتائج وصفها الباحثون بأنها مقلقة، خاصة مع تصاعد وتيرة التغير المناخي في أوروبا.

وأوضحت دراسة نشرتها مجلة نيتشر لتغير المناخ، أنجزتها الباحثة كوي قو من جامعة هونغ كونغ، وشملت أكثر من 24 ألف شخص تمت متابعتهم على مدى 15 عاماً، بين عامي 2008 و2022، أن التعرض المستمر لموجات الحر يرفع مؤشرات الشيخوخة البيولوجية داخل الجسم بشكل واضح.

وأظهرت نتائج الدراسة أن كل ارتفاع بمقدار 1.3 درجة مئوية في متوسط الحرارة السنوية يؤدي إلى خسارة نحو 11 يوماً من العمر البيولوجي، وهو تأثير يفوق، في بعض المؤشرات البيولوجية، الأضرار المعروفة الناتجة عن التدخين واستهلاك الكحول.

ويرجع العلماء هذا التأثير إلى أن الحرارة المرتفعة تُضعف أداء الميتوكوندريا، وهي العضيات الخلوية المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلايا، ما يؤدي إلى تراجع قدرة الجسم على تجديد خلاياه وتسريع مظاهر الشيخوخة وإضعاف الأنسجة.

وخلال موجات الحر، يضطر الجسم إلى بذل مجهود إضافي للحفاظ على درجة حرارته الطبيعية، إذ يعمل القلب بوتيرة أسرع لضخ الدم نحو الجلد، بينما يزداد التعرق ويفقد الجسم كميات كبيرة من الماء والأملاح المعدنية، وهو ما يفرض ضغطاً متواصلاً على مختلف الأعضاء الحيوية.

كما أكدت دراسة أخرى نشرتها مجلة ساينس أدفانسز أن العمال الذين يزاولون أعمالاً شاقة في الهواء الطلق، وسكان المناطق الريفية، والأشخاص الذين لا يملكون أجهزة تكييف، هم الأكثر عرضة لتسارع الشيخوخة المرتبطة بالحرارة، ما يكشف أن الفئات الهشة تتحمل العبء الأكبر لتداعيات التغير المناخي.

ولم تتوقف المخاطر عند هذا الحد، إذ أظهرت دراسة نشرتها مجلة البيئة الدولية، استندت إلى تحليل 36.6 مليون ولادة في 250 مدينة موزعة على 13 دولة بين عامي 1979 و2019، أن موجات الحر ترفع أيضاً من خطر الولادة المبكرة.

ووفق الدراسة، فإن 1.41 في المائة من حالات الولادة المبكرة خلال فصل الصيف ترتبط مباشرة بارتفاع درجات الحرارة، بينما يرتفع هذا الخطر بنسبة 2.8 في المائة في أيام الحر المعتدل، ويصل إلى 3.8 في المائة خلال موجات الحر الشديد، وهو ما يزيد احتمالات تعرض المواليد لمضاعفات صحية قد ترافقهم طوال حياتهم.

وفي فرنسا، دفعت موجة الحر التي اجتاحت البلاد خلال يونيو 2026 السلطات الصحية إلى دق ناقوس الخطر، بعدما سجلت البلاد نحو ألفي وفاة إضافية، معظمها في صفوف كبار السن بالمناطق التي خضعت للإنذار الأحمر، كما ارتفعت حالات الولوج إلى أقسام المستعجلات بنحو 10 في المائة في عدد من مستشفيات جنوب البلاد.

وتحذر دراسة أخرى نشرتها مجلة نيتشر كوميونيكيشنز من أن الوفيات المرتبطة بالحرارة ستواصل الارتفاع بشكل كبير مع نهاية القرن، خصوصاً في أوروبا الغربية والشرقية، إذا استمر الاحترار العالمي في التصاعد، مشيرة إلى أن تجاوز ارتفاع حرارة الأرض درجتين مئويتين سيجعل التغير المناخي مسؤولاً عن ما بين 84 و96.8 في المائة من الزيادة المتوقعة في الوفيات الناتجة عن موجات الحر.

وتؤكد هذه النتائج أن الخطر الحقيقي لموجات الحر لا يكمن فقط في الوفيات المباشرة التي تُسجل خلال فترات الذروة، بل أيضاً في تأثيرها التراكمي والصامت على صحة الإنسان، إذ تسرق من عمره البيولوجي أياماً وشهوراً وسنوات دون أن يشعر، في وقت يحذر فيه العلماء من أن التكيف مع التغير المناخي لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة ملحة لحماية صحة ملايين البشر في ظل عالم يشهد ارتفاعاً غير مسبوق في درجات الحرارة.

ولم تعد موجات الحر مجرد أرقام تتصدر نشرات الطقس أو تحذيرات موسمية عابرة، بل تحولت إلى تهديد صامت ينهش صحة الإنسان يوماً بعد يوم. فبينما يذوب الإسفلت تحت أشعة الشمس، تذوب معه سنوات من العمر البيولوجي بصمت، في معركة غير مرئية يخوضها الجسد كل صيف. ومع استمرار ارتفاع حرارة الأرض، يحذر العلماء من أن الثمن لن يُقاس فقط بعدد الوفيات، بل أيضاً بالأعمار التي تُختصر، وبالحياة التي تُستنزف ببطء قبل أوانها.

14/07/2026

مقالات خاصة

Related Posts