قبل نحو خمسة أسابيع من موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، تطرح تحركات سياسية بإقليم الدريوش علامات استفهام بشأن الحدود الفاصلة بين الأنشطة ذات الطابع الديني والاستعدادات الانتخابية المبكرة، في ظل حديث عن تنظيم حفل ديني كبير بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف بجماعة وردانة، بحضور عدد كبير من المنتخبين والفعاليات المحلية والكائنات الانتخابية .
ووفق مصادر جريدة “كواليس الريف” من أوساط محلية، يرتبط تنظيم هذا الحفل بالمستشار البرلماني محمد مكنيف، المحسوب على حزب الأصالة والمعاصرة، وسط حديث عن توجيه دعوات إلى عدد من المنتخبين بإقليم الدريوش، من بينهم رئيس المجلس الإقليمي المصطفى بنشعيب، ورئيس جماعة أزلاف السابق محمد أوراغ، ورئيس جماعة تفرسيت بوكريعة ، إلى جانب منتخبين وفاعلين محليين آخرين ، وكلهم سماسرة إنتخابات معروفين بشرائهم ذمم الناخبين .
وتزداد حساسية هذه المعطيات بسبب الحديث عن حضور قد يتجاوز أربعة آلاف شخص، وهو رقم يجعل المناسبة تتجاوز بكثير الطابع العائلي أو المحلي المعتاد للمناسبات الدينية، ويطرح سؤالاً مشروعاً حول طبيعة الرسائل السياسية التي يمكن أن يحملها مثل هذا التجمع، خصوصاً أنه يأتي في مرحلة تسبق انطلاق الحملة الانتخابية الرسمية.
وتتجه أصابع الاتهام في النقاش المحلي إلى عزم محمد مكنيف توظيف المناسبة في دعم شقيقه عزيز مكنيف، المرتقب أن يخوض الانتخابات التشريعية المقبلة باسم حزب الأصالة والمعاصرة في إقليم الدريوش .
المثير في القضية ليس إقامة مناسبة دينية في حد ذاتها، فذلك أمر مشروع ومعتاد، وإنما توقيتها وحجمها وطبيعة الحضور السياسي المتوقع فيها، فضلاً عن التساؤلات التي يطرحها خصوم مكنيف حول تحول الوليمة الدينية إلى فضاء للتواصل الانتخابي المبكر واستمالة الناخبين، قبل الموعد القانوني للحملة.
وهنا تبرز المسألة الأكثر حساسية: أين تنتهي المناسبة الدينية وتبدأ الدعاية الانتخابية؟
فإذا كان الحفل دينياً خالصاً، فما طبيعة الدعوات الموجهة إلى هذا العدد من المنتخبين والفاعلين السياسيين وتجار الإنتخابات ؟ وإذا كان الهدف دينياً واجتماعياً، فمن يتحمل تكاليف تنظيم تجمع بهذا الحجم؟ وهل توجد أي أنشطة أو خطابات أو إشارات مرتبطة بالانتخابات أو بأحد المرشحين؟ وهل ستقوم السلطات المختصة بمراقبة طبيعة هذا النشاط، بالنظر إلى قرب موعد الاستحقاقات؟
هذه الأسئلة لا تستهدف شخصاً بعينه بقدر ما تفرضها حساسية المرحلة الانتخابية، خصوصاً أن القانون الانتخابي يضع ضوابط دقيقة للممارسات التي يمكن أن تؤثر في إرادة الناخبين أو تمنح مرشحاً أفضلية غير مشروعة قبل انطلاق الحملة الرسمية.
أما الحديث عن إنتهاز المناسبة للبدء في شراء الأصوات أو تقديم منافع للناخبين مقابل دعم انتخابي، يستدعي، من باب الشفافية، أن تكون للسلطات المختصة كلمة واضحة بشأنها.
وبينما يستعد إقليم الدريوش لدخول مرحلة انتخابية جديدة، يطرح الشارع المحلي سؤالاً أكبر: هل بدأت الحملة الانتخابية فعلياً قبل موعدها، ولكن تحت عناوين اجتماعية ودينية؟
الكرة الآن في ملعب السلطات الإقليمية والجهات المكلفة بالسهر على نزاهة الاستحقاقات. فإذا كان الأمر مجرد مناسبة دينية، فلا شيء يمنع من توضيح ذلك للرأي العام. وإذا ظهرت مؤشرات على توظيفها انتخابياً، فإن التدخل المبكر سيكون أكثر نجاعة من انتظار تحول المناسبة إلى قضية انتخابية بعد فوات الأوان.
في الدريوش، لا يتعلق الأمر هذه المرة بمجرد وليمة أو حفل ديني، بل بامتحان حقيقي لمدى قدرة المؤسسات على الفصل بين الدين والمنافسة الانتخابية، وضمان أن تكون أصوات الناخبين نابعة من إرادتهم الحرة، لا من الولائم ولا من الاستعراض السياسي ولا من شبكات النفوذ المحلية.
والسؤال الذي ينتظر الجواب: هل ستتدخل السلطات للتحقق من طبيعة هذا الحفل ومنعه ؟ أم ستترك المناسبة تمر في صمت، لتتحول بعد ذلك إلى واحدة من أولى محطات الفساد الانتخابي بإقليم الدريوش؟
18/08/2026