دخلت أزمة الهجرة في سبتة المحتلة مرحلة أكثر خطورة، بعدما بدأت الموارد المتوفرة في مخيمات الإيواء المؤقتة، التي أقامها سكان محليون لاستقبال النساء والأطفال الوافدين خلال يومي 30 و31 يوليوز الماضي، تنفد بوتيرة متسارعة، وسط ضغط متزايد على مختلف مرافق المدينة، وعجز واضح عن استيعاب التداعيات المتلاحقة للأزمة.
وتتوزع أعداد من النساء والقاصرين على مخيمات أقيمت بشكل ارتجالي باستخدام الأغطية والأقمشة في أحياء ألفونسو وسيدي أمبارك ومنطقة لا رينا، بينما جرى نقل مجموعات أخرى إلى مؤسسات تعليمية حُوّلت مؤقتًا إلى فضاءات للإيواء. غير أن هذه الحلول المؤقتة باتت تصطدم باقتراب الموسم الدراسي، ما يضع السلطات أمام مأزق جديد بشأن إخلاء المدارس وإيجاد أماكن بديلة للقاصرين المقيمين فيها.
ومع تسجيل أكثر من 1500 طفل داخل منظومة الحماية، تتكشف يومًا بعد آخر مؤشرات اتساع الضغط على المدينة، إذ وُضعت مدرسة برينسيبي فيليبي رهن إشارة الوافدين لاستقبال عدد من الفتيات اللواتي تعذر إيواؤهن في مخيمي سيدي أمبارك وألفونسو بسبب محدودية الطاقة الاستيعابية. ويكشف هذا التطور حجم الاختناق الذي باتت تعاني منه منظومة الإيواء، بعدما أصبحت كل مساحة متاحة تتحول إلى حل مؤقت لأزمة تتسع بوتيرة متسارعة.
وفي قلب هذا المشهد، دقت منظمة الهلال الأبيض «لونا بلانكا» الخيرية ناقوس الخطر، محذرة من وصول مواردها إلى حدودها القصوى، بعدما كانت تتولى توزيع ما بين 2500 و4000 وجبة يوميًا في مختلف أنحاء سبتة. وأكدت حميلة أحمد، المتحدثة باسم المنظمة، أن المخزون الغذائي لم يعد كافيًا لمواصلة إعداد الوجبات بالوتيرة نفسها، في مؤشر يعكس انتقال الأزمة من مجرد ضغط على مرافق الإيواء إلى تهديد مباشر للإمدادات الأساسية.
وتساهم منظمات مدنية وإنسانية، من بينها «سايف ذي تشيلدرن» و«وورلد سنترال كيتشن» و«سبتة أكوخي»، في توزيع المواد الغذائية والملابس والمستلزمات الضرورية، غير أن استمرار الأزمة لأسابيع بدأ يستنزف قدراتها بدورها. وفي المقابل، يظل القاصرون تحت وصاية سلطات المدينة المحتلة، بينما تستمر دراسة ملفاتهم حالة بحالة، في انتظار تحديد مصيرهم وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، وسط غموض يحيط بآفاق الحل.
ولم تعد تداعيات الأزمة محصورة في الغذاء والإيواء، بعدما بدأت المخاوف الصحية تفرض نفسها بقوة، مع تحذيرات من مخاطر انتشار أمراض معدية، بينها التهاب المعدة والأمعاء والسل والجرب. كما سجلت المصالح الصحية إقبالًا مرتفعًا على أقسام الاستعجالات، في وقت دعت فيه منظمات إنسانية إلى توفير مزيد من مستلزمات النظافة والوقاية، خصوصًا بعدما ظهرت أعراض عدوى لدى عدد من الأشخاص المقيمين في فضاءات الإيواء.
وبالتوازي مع الضغط الصحي، تتصاعد المخاوف الأمنية داخل المدينة، في ظل تقارير عن اعتداءات جنسية استهدفت قاصرين، حيث تحدثت مصادر عن شكايات وحالات استدعت نقل ضحايا إلى المستشفى، مع استمرار تضارب المعطيات بشأن العدد الحقيقي للحالات. وبينما لم يتسنَّ تأكيد جميع الأرقام التي تداولتها بعض وسائل الإعلام، فإن تسجيل هذه الوقائع يضيف بُعدًا بالغ الخطورة إلى أزمة أصبحت تضغط في آن واحد على الأمن والصحة والإيواء والخدمات الاجتماعية.
وتأتي هذه التطورات في وقت أعلنت فيه السلطات الإسبانية أرقامًا متباينة بشأن عدد القاصرين غير المرافقين الذين جرى تحديد هوياتهم، قبل أن يتحدث وزير الداخلية الإسباني عن 1898 قاصرًا، بعدما كانت وزيرة الهجرة قد أعلنت سابقًا رقمًا أقل. وبين تضارب الأرقام وتصاعد الاحتياجات، تجد جيب سبتة المحتلة نفسها أمام اختبار متزايد الصعوبة، خصوصًا مع اقتراب موعد العودة المدرسية، واستمرار البحث عن أماكن لإيواء مئات الأطفال والنساء في ظل محدودية البنية المتاحة.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة الإسبانية أن الملفات ستتم معالجتها وفق القانون، تتزايد الضغوط السياسية والاجتماعية داخل المدينة بشأن طريقة تدبير الأزمة ومصير القاصرين. وهكذا، تحولت المخيمات التي أقامها السكان في محاولة لسد فراغ الإيواء إلى مرآة لأزمة باتت تتجاوز قدرة الحلول المؤقتة، بعدما بدأت المؤن تنفد، والأماكن تضيق، والمخاوف الصحية والأمنية تتسع، فيما تجد سلطات سبتة نفسها أمام مأزق مفتوح، يزداد حدة كلما تأخر الوصول إلى حل عملي ومستدام.
18/08/2026