kawalisrif@hotmail.com

سبتة ومايوت .. عندما تستدعي فرنسا مدينة مغربية محتلة لتبرير أزمتها الاستعمارية :      إدوار فيليب يفتح صندوق الحدود والهجرة المسكوت عنها !

سبتة ومايوت .. عندما تستدعي فرنسا مدينة مغربية محتلة لتبرير أزمتها الاستعمارية : إدوار فيليب يفتح صندوق الحدود والهجرة المسكوت عنها !

في تصريح انتخابي لافت، أعاد رئيس الوزراء الفرنسي السابق والمرشح المحتمل للانتخابات الرئاسية المقبلة، إدوار فيليب، ملف سبتة المحتلة إلى واجهة النقاش السياسي الفرنسي، بعدما قارن بين أزمة الهجرة التي تعيشها جزيرة مايوت الفرنسية في المحيط الهندي، والوضع الذي شهدته سبتة خلال إحدى أكثر أزمات الهجرة حدة.

وخلال زيارة انتخابية تمهيدية إلى مايوت، حاول فيليب توصيف حجم الضغط الذي تواجهه الجزيرة الفرنسية، معتبراً أن الوضع الهجروي بلغ مستوى استثنائياً جعل الجزيرة عاجزة عن استقبال المزيد من الأشخاص في ظروف ملائمة، في صورة تعكس، بحسبه، حدود قدرة منطقة صغيرة على مواجهة تدفقات بشرية كبيرة.

ولم يتردد السياسي الفرنسي في استحضار سبتة باعتبارها نموذجاً مشابهاً، مشيراً إلى أن ما عاشته المدينة خلال أزمة الهجرة يمكن مقارنته بما تواجهه مايوت، لأن الأمر يتعلق، في الحالتين، بمساحة جغرافية صغيرة وجدت نفسها أمام تدفق بشري يفوق قدراتها الاستيعابية.

لكن اللافت في كلام فيليب ليس مجرد المقارنة الجغرافية أو الإنسانية، بل الطريقة التي عادت بها سبتة إلى الخطاب السياسي الفرنسي من بوابة أزمة الهجرة، وكأن المدينة المحتلة تحولت إلى مثال أوروبي جاهز كلما أرادت العواصم الغربية الحديث عن الضغط الحدودي والهجرة غير النظامية.

وتكشف هذه المقارنة، في جانب آخر، أن أزمة سبتة لم تعد مجرد ملف محلي أو إسباني، بل أصبحت جزءاً من نقاش أوروبي أوسع حول الحدود والهجرة والقدرة على إدارة التدفقات البشرية، في وقت تواصل فيه مدريد التعامل مع المدينة باعتبارها نقطة متقدمة في منظومة الحدود الأوروبية على الضفة الجنوبية للمتوسط.

غير أن استحضار سبتة في الخطاب الفرنسي يفتح أيضاً سؤالاً سياسياً أكثر حساسية: هل يمكن فعلاً فصل أزمة الهجرة عن الوضع التاريخي والجغرافي للمدينة؟ وهل يكفي وصف سبتة بأنها منطقة صغيرة تواجه تدفقات بشرية قوية، من دون التوقف عند كونها مدينة مغربية محتلة توجد في قلب شمال إفريقيا؟

فسبتة ليست جزيرة معزولة في المحيط الهندي، ولا مجرد نقطة حدودية عادية، بل مدينة مغربية تقع على التراب المغربي وتخضع للاحتلال الإسباني منذ قرون، وهو ما يجعل أي مقارنة سياسية معها أكثر تعقيداً من مجرد تشبيه بين منطقتين تعانيان من ضغط الهجرة.

وفي المقابل، فإن مايوت نفسها ليست مجرد جزيرة صغيرة تعاني من أزمة هجرة، بل تحمل تاريخاً استعمارياً شديد التعقيد. فقد ارتبطت بفرنسا خلال القرن التاسع عشر، بينما اختارت جزر القمر الاستقلال سنة 1975، في حين بقيت مايوت تحت السيادة الفرنسية. ومنذ ذلك الحين ظل وضع الجزيرة موضع نزاع ورفض من جانب جزر القمر، التي تعتبرها جزءاً من أراضيها، بينما تتمسك باريس بإدماج مايوت ضمن الدولة الفرنسية وتقدمها باعتبارها جزءاً من الجمهورية الفرنسية.

وهنا تحديداً تصبح مقارنة إدوار فيليب بين مايوت وسبتة أكثر إثارة للجدل؛ فكل واحدة منهما تحمل ندبة تاريخية مختلفة، لكنهما تلتقيان في كون الجغرافيا والسياسة الاستعمارية القديمة ما زالتا حاضرتين بقوة في واقع اليوم. مايوت جزيرة بقيت تحت السيادة الفرنسية رغم استقلال جزر القمر، وسبتة مدينة مغربية ما زالت تحت السيطرة الإسبانية منذ قرون.

وبينما تحاول أوروبا اليوم بناء أسوار جديدة أمام الهجرة، تبدو الجغرافيا أكثر قسوة من الخطابات السياسية، لأنها تذكّر بأن بعض الحدود التي تدافع عنها أوروبا اليوم ليست دائماً حدوداً صنعتها الشعوب، بل حدود تركها التاريخ الاستعماري وراءه، ثم جرى تحويلها مع مرور الزمن إلى وقائع سياسية يصعب الاقتراب منها.

وهكذا، قد تكون المقارنة التي أطلقها إدوار فيليب قد بدأت كجملة انتخابية عابرة للدفاع عن وضع مايوت، لكنها انتهت بفتح صندوق تاريخي شديد الحساسية؛ صندوق تخرج منه أسئلة السيادة والاستعمار والحدود والاحتلال. وعندما تصبح الهجرة هي المرآة التي تنظر من خلالها أوروبا إلى جزرها ومدنها البعيدة، فإن السؤال لا يعود فقط حول أولئك الذين يعبرون الحدود، بل حول الحدود نفسها: من رسمها؟ ولماذا؟ ولمن تعود الأرض التي تقف فوقها؟

وكلما حاولت أوروبا اختزال أزمة سبتة ومايوت في أرقام المهاجرين والأسلاك والحواجز، عاد التاريخ ليطرق الباب من جديد. فخلف كل سياج حدودي قصة، وخلف كل جزيرة أو مدينة متنازع عليها ذاكرة، وخلف كل أزمة هجرة سؤال سيادة مؤجل. وربما لهذا السبب تحديداً، فإن استحضار سبتة في خطاب سياسي فرنسي حول مايوت لم يدفن القضية، بل أيقظها من جديد؛ لأن الجغرافيا قد تصمت طويلاً، لكنها لا تنسى أبداً من كان هنا أولاً.

22/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts