kawalisrif@hotmail.com

مدريد فككت سلاحها السري ضد المخدرات … ففتحت الطريق أمام المهربين، وبعد أربع سنوات تعترف الشرطة :    لا نضبط حتى 10 في المائة !

مدريد فككت سلاحها السري ضد المخدرات … ففتحت الطريق أمام المهربين، وبعد أربع سنوات تعترف الشرطة : لا نضبط حتى 10 في المائة !

في جنوب إسبانيا، يبدو أن قرار حل هيئة تنسيق العمليات ضد الاتجار بالمخدرات في الجنوب OCON-Sur لم ينهِ حرب الدولة على شبكات المخدرات، بقدر ما ترك فراغاً أمنياً سرعان ما بدأت تداعياته تظهر على الأرض. فبعد أربع سنوات من تفكيك الوحدة التي كانت تمثل رأس الحربة في مطاردة مهربي الحشيش والكوكايين، عاد اسمها إلى الواجهة وسط مطالب بإحيائها، بينما يقر عناصر من الحرس المدني بأنهم يواجهون وضعاً يفوق قدراتهم، وأن حجم ما يدخل عبر السواحل قد يكون أكبر بكثير مما يتم اعتراضه.

وتعود قصة الوحدة إلى سنة 2018، بعدما اقتحم نحو عشرين شخصاً ملثماً مستشفى في لا لينيا دي لا كونسيبسيون لتحرير أحد أفراد عصابة كاستانيا، كان مصاباً ويخضع للحراسة. وكان المشهد صادماً إلى درجة دفعت السلطات الإسبانية إلى إطلاق خطة أمنية خاصة بمنطقة مضيق جبل طارق، وإنشاء وحدة نخبة تضم 150 عنصراً يعملون على مدار الساعة، بهدف مواجهة شبكات تهريب المخدرات التي جعلت من جنوب البلاد ومضيق جبل طارق ساحة مفتوحة لحرب لا تهدأ.

وخلال أربع سنوات فقط، نفذت OCON-Sur نحو 350 عملية، وأوقفت قرابة 12 ألف شخص، وصادرت حوالي 1400 طن من المخدرات، معظمها من الحشيش والكوكايين. ولم تكتف الوحدة بمطاردة المهربين في البحر والبر، بل تعقبت الأموال والممتلكات أيضاً، وتمكنت من مصادرة أصول بقيمة تناهز 300 مليون يورو، بينها نحو 68 مليون يورو نقداً، ما جعلها تتحول إلى مصدر إزعاج حقيقي لبارونات المخدرات وشبكاتهم الممتدة على جانبي المضيق.

لكن سنة 2022 حملت انقلاباً في المعادلة. فقد أعيدت هيكلة الوحدة وحُلت، لتوزع خبراتها على أجهزة أمنية أخرى. والقرار الذي قُدم رسمياً باعتباره عملية إعادة تنظيم سرعان ما بدأ يثير علامات استفهام، خصوصاً مع استمرار تمدد شبكات التهريب على السواحل الأندلسية، وتحول القوارب السريعة إلى مشهد متكرر، فيما وجد رجال الأمن أنفسهم أمام ظاهرة تتسع بوتيرة أسرع من الإمكانيات الموضوعة لمواجهتها.

وبعد أربع سنوات، تصف مصادر أمنية الوضع بما تسميه تأثير القمع، أي أن الضغط الأمني لم يعد موزعاً ضمن وحدة متخصصة قادرة على تجميع المعلومات والتحرك بسرعة، بل أصبح موزعاً بين أجهزة مختلفة تواجه في الوقت نفسه مهام متزايدة. وكان تعزيز الموارد البشرية محدوداً، في وقت ارتفع فيه حجم العمل إلى درجة جعلت العناصر الأمنية في حالة استنفار دائم، من دون أن يعني ذلك قدرتهم على السيطرة على كل ما يجري في البحر وعلى امتداد السواحل الجنوبية.

والأكثر إثارة أن أحد عناصر الحرس المدني يقدر بأن الأجهزة الأمنية، بالوسائل المتاحة حالياً، لا تتمكن من ضبط حتى 10 في المائة مما يدخل إلى إسبانيا. وهذا تقدير صادر عن عنصر أمني وليس رقماً رسمياً للدولة، لكنه يكشف حجم الهوة التي تتحدث عنها المصادر بين ما يتم اعتراضه فعلياً وبين ما قد يمر عبر السواحل من دون أن يصل إلى قبضة الأجهزة الأمنية. وهنا لا تعود المشكلة في وجود المخدرات فقط، بل في حجم ما يفلت من الرصد والملاحقة.

وفي المقابل، أصبحت شحنات المخدرات ومستودعات الوقود المخصصة لإعادة تزويد قوارب التهريب، إلى جانب البلاغات المتكررة عن قوارب سريعة بالقرب من مواقع الحرس المدني، جزءاً من يوميات الأجهزة الأمنية. وبينما يلاحق رجال الأمن المهربين في البحر، تبدو شبكات التهريب أكثر جرأة في اختيار توقيت التحرك ومساراته، وكأن السواحل الأندلسية تحولت إلى رقعة مطاردة مفتوحة لا يعرف أحد متى تنتهي.

والفاتورة لم تعد مجرد أرقام في محاضر الحجز. ففي فبراير 2024، قُتل عنصران من الحرس المدني في بارباتي بعد أن صدم زورق يستخدم في تهريب المخدرات زورقهما. دافيد بيريز كارثيدو، البالغ 43 عاماً، وميغيل أنخيل غونثاليث غوميث، البالغ 39 عاماً، دفعا حياتهما ثمناً لمطاردة بحرية كشفت إلى أي حد أصبحت شبكات التهريب مستعدة لمواجهة أجهزة الدولة بعنف مباشر.

ولم يتوقف النزيف عند ذلك الحد. ففي ماي 2026، شهدت هويلفا مأساة جديدة بعدما اصطدمت سفينتان تابعتان للخدمة البحرية بقارب لتهريب المخدرات، ليلقى عنصران آخران مصرعهما. ومع كل حادث جديد، تتسع الأسئلة حول جاهزية الأجهزة الأمنية، وحول ما إذا كان حل وحدة متخصصة تمتلك الخبرة والمعلومات وشبكة العمل الميداني الواسعة قراراً صائباً، أم مغامرة أمنية بدأت فاتورتها تظهر على الأرض وفي أرواح رجال الأمن.

أما التفسير الرسمي لحل OCON-Sur، فيتحدث عن إعادة هيكلة وتوزيع الخبرات التي راكمتها الوحدة على باقي عناصر الحرس المدني والشرطة الوطنية في قادس وهويلفا. غير أن روايات أخرى تفتح الباب أمام فرضيات أكثر حساسية، من بينها التوترات التي رافقت طريقة إدارة الوحدة والتحقيقات الداخلية التي طالت بعض المسؤولين، إضافة إلى شبهات مرتبطة بكشف أسرار واستخدام معلومات حساسة، وهي ملفات تبقى في النهاية من اختصاص القضاء ولا ينبغي تحويلها إلى أحكام مسبقة.

وهنا تتضح المفارقة التي يصعب تجاهلها: إسبانيا حلت الوحدة التي كانت تضيق الخناق على بارونات المخدرات، ثم وجدت نفسها بعد سنوات أمام عناصر أمن يقولون إنهم غارقون في العمل، وقوارب تهريب تظهر باستمرار، وشحنات تتدفق، وتقدير أمني يتحدث عن اعتراض أقل من 10 في المائة مما يدخل. وكأن القرار الذي قُدم باعتباره إعادة ترتيب للمنظومة الأمنية انتهى، وفق هذه الرواية، إلى إعادة ترتيب أوراق المهربين أيضاً.

المشهد اليوم لا يحتاج إلى كثير من التجميل: 150 عنصراً كانوا يطاردون شبكات المخدرات ضمن وحدة متخصصة، ومئات العمليات وآلاف الاعتقالات تحولت إلى سجل من الماضي، بينما عادت المطالب بإحياء الوحدة نفسها بعد سنوات من حلها. وبينما يبحث الأمن الإسباني عن الوسائل التي يحتاجها لمواجهة المهربين، يبدو أن السؤال الأكثر إحراجاً لم يعد كيف تتم محاربة المخدرات، بل لماذا جرى التخلي عن وحدة أثبتت قدرتها على ضرب الشبكات في العمق، قبل أن تكتشف إسبانيا أن البحر لم يكن ينتظر إعادة الهيكلة، وأن المهربين لم يأخذوا عطلة.

وفي نهاية المطاف، لم يعد اسم OCON-Sur مجرد اسم لوحدة أمنية جرى حلها قبل أربع سنوات، بل أصبح عنواناً لمفارقة إسبانية ثقيلة: وحدة من 150 عنصراً كانت تضيق الخناق على بارونات المخدرات، نفذت مئات العمليات، وأوقفت آلاف الأشخاص، وصادرت مئات الأطنان من المخدرات ومئات الملايين من اليوروهات، ثم اختفت بقرار إداري، لتعود اليوم المطالب بإحيائها بعدما أصبح رجال الأمن أنفسهم يتحدثون عن عجزهم أمام حجم ما يدخل إلى البلاد.

والأخطر أن البحر لم ينتظر قرارات مدريد ولا حسابات مكاتبها. فبينما كانت الملفات تعاد هيكلتها والأجهزة تعيد توزيع الاختصاصات، كانت قوارب التهريب تواصل الإبحار، والوقود يصل إلى مستودعاتها، والمخدرات تجد طريقها إلى الشواطئ، فيما دفع رجال الحرس المدني الثمن بأرواحهم في مطاردات تحولت إلى مواجهات دامية.

وهكذا تبدو الصورة اليوم أكثر قتامة: إسبانيا لم تستطع أن تهزم المخدرات بحل OCON-Sur، ولم تستطع الأجهزة التي خلفتها أن تملأ الفراغ الذي تركته الوحدة. بل إن الاعتراف بأن ما يتم ضبطه قد لا يتجاوز 10 في المائة مما يدخل، إذا صحت هذه التقديرات، يكشف أن المعركة لا تجري فقط في البحر، وإنما أيضاً داخل منظومة أمنية تبحث عن إجابة لسؤال ثقيل: ماذا حدث لكل تلك الخبرة والمعلومات والقدرة على الضرب في العمق؟

لقد أغلقت مدريد الوحدة التي كانت تزعج المهربين، ثم اكتشفت بعد أربع سنوات أن المهربين لم يغلقوا البحر. تركوا محركات قواربهم تعمل، وواصلوا عبور المضيق، بينما بقيت إسبانيا تطارد ظلاً يتسع كلما حاولت الإمساك به. وربما هنا تكمن المفارقة الأكثر مرارة: حين قررت مدريد إطفاء السلاح الذي كان يخيف بارونات المخدرات، لم تختفِ المخدرات… اختفى فقط السلاح الذي كان يطاردها.

22/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts