لم يعد الصراع بين إسبانيا وإيطاليا يقتصر على ملاعب كرة القدم أو منافسات المطابخ، بل انتقل هذه المرة إلى واحدة من أكثر الصناعات حساسية في جنوب أوروبا: زيت الزيتون. فقد اندلعت معركة اقتصادية مفتوحة حول شركة ديوليو، المالكة لعلامات شهيرة مثل كاربونيل وهوخيبلانكا وكويبي، وسط سباق شرس للسيطرة على واحدة من أكبر إمبراطوريات الذهب السائل في العالم.
القصة بدأت عندما دخلت التعاونية الإسبانية العملاقة ديكوب في سباق الاستحواذ على ديوليو، وقدمت عرضاً يصل إلى 470 مليون يورو لشراء الشركة التي تسعى صناديق الاستثمار سي في سي وألكيمي إلى الخروج منها. غير أن العرض الإسباني لم يمر بهدوء، بعدما ظهر منافس إيطالي مستعد لدفع المزيد، في مشهد حوّل الصفقة إلى مواجهة اقتصادية مباشرة بين قوتين تتنافسان منذ سنوات على زعامة سوق زيت الزيتون.
المجموعة الإيطالية كوريشيلي رفعت سقف المنافسة إلى 500 مليون يورو، ولم تكتفِ بذلك، بل طالبت أيضاً بالحصرية في المفاوضات. وهكذا تحولت الصفقة من عملية تجارية عادية إلى معركة على النفوذ والسيطرة، خصوصاً أن ديوليو ليست شركة صغيرة، بل مجموعة حاضرة في أكثر من سبعين دولة وتحمل في محفظتها علامات تجارية ذات وزن كبير في سوق زيت الزيتون العالمي.
المنافسة لم تعد ثنائية بالكامل، بعدما دخلت شركة أسيسور الإسبانية على الخط، وهي المالكة لعلامات معروفة مثل كوسور ولا إسبانيولا. هذا التطور رفع مستوى القلق داخل الحكومة الإسبانية، التي باتت ترى أن أحد أعمدة صناعة الزيت في البلاد قد ينتقل إلى ملكية إيطالية، في وقت تعتبر فيه إسبانيا نفسها القوة الأولى عالمياً في إنتاج زيت الزيتون.
وتزداد حساسية المعركة لأن مدريد لا تنظر إلى ديوليو باعتبارها مجرد شركة تبحث عن مشترٍ، وإنما باعتبارها جزءاً من قطاع استراتيجي يرتبط بصورة إسبانيا الاقتصادية والتجارية في العالم. ولذلك تتابع وزارة الزراعة الإسبانية، بقيادة لويس بلاناس، عن كثب تحركات المساهمين، وسط تساؤلات عما إذا كانت الحكومة ستسمح بانتقال السيطرة إلى مجموعة أجنبية أم ستتدخل لحماية ما تعتبره أصلاً صناعياً استراتيجياً.
وتملك الحكومة الإسبانية ما يعرف بالدرع المضاد للاستحواذات الأجنبية، وهي آلية تمكنها من التدخل لمنع بعض الاستثمارات الأجنبية عندما تعتبرها ذات تأثير استراتيجي. وقد سبق لمدريد أن استخدمت هذه الآلية ضد المجموعة المجرية غانز مافاغ، التي كانت تسعى إلى دخول شركة تالجو الإسبانية لصناعة القطارات، ولذلك يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان السلاح نفسه سيظهر مجدداً في معركة زيت الزيتون.
المفارقة أن العرض الإيطالي سيُقدَّم من خلال شركة قابضة تابعة للمجموعة، تحمل اسم فارمرز إيليت غلوبال، ويوجد مقرها في إشبيلية نفسها. أي أن المعركة التي تبدو إسبانية إيطالية على الورق قد تحمل مفارقة أكثر إثارة، إذ إن الطرف الإيطالي الذي ينافس على السيطرة على واحدة من أبرز شركات الزيت الإسبانية يتحرك من الأراضي الإسبانية ذاتها.
وفي الجهة المقابلة، ترى ديكوب أن جمعها مع ديوليو يمكن أن يؤدي إلى ولادة إمبراطورية حقيقية في قطاع الذهب السائل، بإيرادات سنوية تتجاوز ملياري ومئتي مليون يورو. كما أن الصفقة ستمنح التعاونية الإسبانية قوة هائلة بفضل العلامات التجارية التي تملكها ديوليو، ما قد يعزز موقع إسبانيا في سوق عالمي شديد التنافس.
ولا تخفي ديكوب مخاوفها من فقدان السيطرة الإسبانية على هذا القطاع، إذ تعتبر أن المشتري يجب أن يكون منسجماً مع معايير الجودة ومحاربة الغش، فيما ترى أن خسارة إسبانيا لقيادتها في قطاع بهذه الأهمية ستكون ضربة قوية لمصالحها الاقتصادية. فالمسألة بالنسبة إليها لا تتعلق فقط بمن يدفع أكثر، وإنما بمن يملك مفاتيح صناعة تعدها إسبانيا جزءاً من قوتها الزراعية والتجارية.
وتزامناً مع اشتداد المنافسة، شهدت أسهم ديوليو ارتفاعاً قوياً خلال الأسبوع الأخير، لتغلق يوم الجمعة عند نحو 0.466 يورو للسهم. وجاء ذلك بعد سنوات من التقلبات المالية وأزمة ديون جعلت خروج صناديق الاستثمار من الشركة مهمة معقدة، قبل أن تعود ديوليو إلى تسجيل مؤشرات أفضل، بعدما حققت في عام 2025 أرباحاً تشغيلية تقارب خمسين مليون يورو، بزيادة تقارب النصف عن العام السابق، بينما بلغ صافي أرباحها عشرين مليون يورو.
ولم تكن ديكوب وكوريشيلي وحدهما في هذا السباق، فقد ظهرت خلال مراحل الصفقة أسماء صناعية ومالية أخرى، من بينها مجموعتا بونيفيكي فيراريزي ونيو برينس الإيطاليتان، إضافة إلى مجموعة ليزيو الفرنسية التابعة لأفريل، والشركة الأسترالية كوبراي إستيت أوليف. وهو ما يكشف أن المعركة لم تعد مجرد منافسة بين شركتين، بل أصبحت مزاداً دولياً على أصل صناعي إسباني شديد الحساسية.
وبينما ترفع إيطاليا عرضها وتضغط من أجل الحصرية، تحاول إسبانيا حماية ما تعتبره أحد رموز قوتها الزراعية والصناعية. فبلد يتصدر العالم في إنتاج زيت الزيتون قد يجد نفسه أمام مفارقة صادمة: يزرع الزيتون، ويقود الإنتاج، لكنه قد يفقد السيطرة على واحدة من أكبر إمبراطوريات الزيت التي تحمل علاماته إلى الأسواق الدولية.
وقد لا تكون معركة ديوليو مجرد صفقة تجارية تنتهي بتوقيع العقود وتحويل الأموال، بل اختباراً حقيقياً لقدرة إسبانيا على حماية مفاتيح قوتها الاقتصادية. فإيطاليا تطرق الباب بـ500 مليون يورو، وإسبانيا تحصي أوراقها وتلوّح بسلاح التدخل، وبين الطرفين تقف شركة تحمل في علاماتها تاريخاً طويلاً من الزيت الإسباني. وإذا سقطت ديوليو في يد منافس إيطالي، فقد تستيقظ مدريد على مفارقة مريرة: إسبانيا التي تنتج الذهب السائل للعالم، تجد نفسها عاجزة عن امتلاك من يضعه في القنينة ويبيعه باسمها. وفي هذه الحرب، قد لا تكون آخر قطرة هي التي تسقط من الزيتون… بل آخر ورقة من يد إسبانيا.
22/08/2026