kawalisrif@hotmail.com

نادي لاس بالماس لكرة القدم يُخفي القميص السياسي عند عبوره “سكانير” تطوان … ويُشهِره في ملعب سبتة المحتلة ، ثم يسلك طريق طنجة للرحيل والهروب !

نادي لاس بالماس لكرة القدم يُخفي القميص السياسي عند عبوره “سكانير” تطوان … ويُشهِره في ملعب سبتة المحتلة ، ثم يسلك طريق طنجة للرحيل والهروب !

في تطور اختار له الإعلام الإسباني نبرة أقرب إلى الإثارة السياسية منها إلى أجواء كرة القدم، قالت صحيفة “كناريا 7” إن فريق الاتحاد الرياضي لاس بالماس سيخوض، مساء اليوم السبت، مباراته أمام فريق سبتة المحتلة برسم منافسات الدرجة الثانية من الدوري الإسباني، مرتدياً قميصاً يحمل رسالة دعم لما وصفته بـ”إسبانية المدينة”، في خطوة تبدو أبعد من مجرد تفصيل رياضي، وتحمل في طياتها شحنة سياسية واضحة مرتبطة بالتوتر الذي أعقب أحداث الهجرة التي شهدتها المنطقة نهاية يوليوز الماضي.

وبحسب الصحيفة، فإن إدارة لاس بالماس كانت قد اتخذت قرار ارتداء القميص منذ أيام، لكنها تعمدت إبقاءه سراً حتى اللحظة الأخيرة، بدعوى تفادي أي عراقيل قد تواجه بعثة الفريق عند وصولها إلى مطار تطوان، قبل انتقالها إلى سبتة المحتلة. وهي رواية تقدمها الصحيفة الإسبانية بصيغة توحي بأن رحلة فريق كرة القدم أصبحت أشبه بمهمة محفوفة بالحسابات السياسية، في محاولة لتحويل مباراة رياضية إلى منصة جديدة لتكريس خطاب إسباني حول المدينة المحتلة.

ولم تكتفِ “كناريا 7” بذلك، بل ربطت قرار النادي بما وصفته بقضية اللاعب باسينغا، الذي قالت إنه مُنع من دخول المغرب بدعوى أن حمله جواز سفر من ساحل العاج يستوجب تأشيرة، في وقت تشير فيه الصحيفة إلى أن وثائق صادرة عن وزارة الخارجية المغربية تقول، بحسب روايتها، عكس ذلك. ومن خلال هذا الربط، تحاول الصحيفة تقديم الرحلة الرياضية وكأنها اختبار جديد للعلاقة مع المغرب، رغم أن الأمر يتعلق، في الأصل، بمباراة لكرة القدم.

وتمنح الصحيفة للمباراة حمولة سياسية أكبر، إذ تعتبر أن مواجهة لاس بالماس وسبتة المحتلة تحولت إلى مناسبة لإعادة رفع شعار “إسبانية المدينة”، مستحضرة أحداث يوليوز الماضي وتدفق أعداد كبيرة من المهاجرين نحو سبتة. وفي روايتها، تذهب الصحيفة إلى اتهام السلطات الحدودية المغربية بإظهار ما وصفته بـ”السلبية” و”التساهل”، وهي أوصاف تعكس بوضوح زاوية النظر الإسبانية إلى الأزمة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق محايدة أو أحكاماً مستقلة عن الخطاب السياسي والإعلامي السائد في إسبانيا.

واللافت في هذه القصة أن الحديث عن رحلة الفريق يفتح الباب أمام مفارقة جغرافية ولوجستية لا تخلو من الدلالة؛ فسبتة المحتلة لا تتوفر على مطار تقليدي مخصص للطائرات المدنية، وإنما على مهبط للطائرات المروحية.

وتزداد المفارقة وضوحاً عندما يتعلق الأمر بفريق قادم من جزر الكناري، إذ إن الوصول إلى سبتة جواً لا يتم عبر رحلة مباشرة بطائرة مدنية عادية إلى مطار داخل المدينة، لأن مثل هذا المطار غير موجود أصلاً، بل تعتمد منظومة النقل الجوي للمدينة على المروحيات في الربط مع البر الإسباني، ولا سيما عبر مهبط الجزيرة الخضراء ومطار مالقة.

وهنا تصبح رواية “كناريا 7” أكثر إثارة، بعدما صُوّرت رحلة فريق كرة القدم وكأنها عملية عبور محفوفة بالمخاطر، في وقت يكشف فيه الواقع اللوجستي للمدينة نفسها أن الوصول والمغادرة جواً يتمان عبر بنية جوية استثنائية قائمة على المروحيات. وبعد نهاية المباراة، يعتزم لاس بالماس، وفق الرواية نفسها، مغادرة سبتة المحتلة والتوجه إلى طنجة، قبل العودة جواً إلى جزيرة غران كناريا على متن رحلة خاصة. وهكذا، يتحول خط السير نفسه إلى جزء من القصة السياسية التي نسجتها الصحيفة حول مباراة يفترض أنها رياضية.

والأكثر إثارة في رواية “كناريا 7” هو حديثها عن مخاوف بعثة لاس بالماس من احتمال تعرضها لما سمته “إجراءات انتقامية” أو عراقيل أثناء مغادرتها عبر مطار طنجة الدولي. غير أن الصحيفة، في النص المعروض، لم تقدم دليلاً على وجود تهديد رسمي أو إجراء مغربي يستهدف الفريق، ما يجعل هذه المخاوف، في حدود ما ورد في المقال، أقرب إلى تقديرات وتوقعات إعلامية منها إلى وقائع مثبتة. ومن هنا يصبح واجب التمييز ضرورياً بين ما تقوله الصحيفة وما ثبت فعلاً على الأرض.

وبذلك، تبدو مباراة سبتة المحتلة أمام لاس بالماس وقد خرجت من إطارها الرياضي الطبيعي لتتحول إلى واجهة جديدة لصراع الخطابات حول المدينة، حيث اختار النادي الإسباني قميصاً يحمل رسالة سياسية في ملعب كرة قدم، بينما اختارت الصحيفة الإسبانية أن تقدم الرحلة باعتبارها مغامرة محفوفة بالحسابات والمخاطر. وبين القميص والرحلة والحديث عن “الانتقام”، يجد القارئ نفسه أمام مباراة يبدو أن صافرة بدايتها لن تكون وحدها محل الاهتمام، بل ما تحمله المدرجات والقمصان من رسائل تتجاوز حدود الرياضة.

وفي المقابل، يكشف هذا النوع من التغطية الإعلامية كيف تحاول بعض المنابر الإسبانية استثمار كل مناسبة مرتبطة بسبتة المحتلة لإعادة إنتاج خطاب “الإسبانية” وتقديم المدينة كعنوان دائم للمواجهة مع المغرب. فبدلاً من أن تبقى كرة القدم كرة قدم، يجري تحميلها برسائل سياسية، ويصبح القميص أداة لإعادة تدوير خطاب السيادة، فيما تتحول رحلة فريق رياضي بين تطوان وطنجة وسبتة إلى قصة مشحونة بالإيحاءات، في مشهد يعكس استمرار توظيف قضية المدينة المحتلة في الإعلام الإسباني كلما سنحت الفرصة.

وهكذا، ما كان يفترض أن يكون مجرد 90 دقيقة من كرة القدم، تحول في سبتة المحتلة إلى مسرح جديد لاستعراض الهوية والسيادة، حيث أصبح القميص أكثر من مجرد زي رياضي، والملعب أكثر من مجرد مساحة للمنافسة. وبينما يحاول لاس بالماس تمرير رسالته السياسية تحت غطاء الرياضة، يبقى السؤال معلقاً: هل كان الفريق يخوض مباراة في كرة القدم، أم مباراة أخرى في ملعب السياسة؟

ففي مدينة لا تملك مطاراً تقليدياً للطائرات المدنية، وتضطر إلى الاعتماد على المروحيات لربطها جواً بالبر الإسباني، ما يجبر الفرق الإسبانية على الدخول عبر مطار تطوان في اتجاه باقي التراب الوطني المحتل، يبدو أن المعركة هذه المرة لم تبدأ عند خط التماس، بل بدأت قبل الوصول إلى الملعب، في القميص والرحلة والرسالة التي أراد البعض أن يجعل منها عنواناً سياسياً جديداً. وقد تنتهي المباراة بصافرة الحكم، لكن الرسالة التي حملها القميص ستظل خارج حسابات النتيجة، شاهدة على محاولة جرّ كرة القدم إلى معركة السيادة والهوية، في مدينة يبدو أن حتى الطريق إليها جواً لا يستطيع أن يفلت من ظلال السياسة.

22/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts