في سبتة المحتلة، لم تعد أزمة الوافدين مجرد ملف مرتبط بالهجرة والأمن، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة الإسبانية على تدبير تداعياتها. فبعد نحو 25 يوماً على الوصول الجماعي للمهاجرين، انتقلت الأزمة من الحدود والشوارع إلى المراكز الصحية والمستشفيات، حاملة معها سجالاً سياسياً جديداً بين حكومة بيدرو سانشيز والمعارضة اليمينية، وسط تحذيرات من تسجيل حالات للسل والجرب وجدري الماء، إلى جانب مئات الإصابات بالتهابات معوية، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسبانية عن الهيئات المهنية في سبتة.
وفي الوقت الذي يحاول فيه الحزب الشعبي توظيف الوضع الصحي لتوجيه مزيد من الانتقادات إلى حكومة سانشيز، ذهب زعيمه ألبرتو نونيث فيخو إلى المطالبة بدراسة فرض حجر صحي لأسباب صحية، محذراً مما وصفه بـ”الخطر الصحي”. غير أن وزيرة الصحة مونيكا غارسيا سارعت إلى رفض المقترح، معتبرة أن الحجر سيكون “غير مبرر ومبالغاً فيه تماماً”، وأن الخطر على عموم السكان منخفض. وبين موقف وآخر، تبدو سبتة وكأنها تدفع فاتورة أزمة لم تستعد لها مدريد بما يكفي، قبل أن تتحول تداعياتها إلى مادة جاهزة للمزايدات السياسية، وكأن المستشفيات دخلت بدورها حلبة الانتخابات.
ولم يفوت فيخو الفرصة لمهاجمة مونيكا غارسيا، متهماً إياها بالتأخر 17 يوماً في زيارة سبتة منذ بداية الأزمة. أما وزارة الصحة فتقدم رواية مختلفة، مستندة إلى أرقام تفيد بأن خدمات المعهد الوطني للتدبير الصحي سجلت 5,801 حالة تكفل بين 31 يوليوز و14 غشت، إضافة إلى أكثر من 2,500 تدخل للصليب الأحمر، مع تراجع الضغط على الخدمات الصحية بنسبة 72 في المائة مقارنة باليوم الأول، وتعزيز الطواقم بأكثر من 60 مهنياً. لكن الأرقام الرسمية لا تلغي شهادات العاملين في المستعجلات الذين تحدثوا عن أيام أولى اتسمت بضغط شديد، وكشفت محدودية قدرة المدينة على تحمل صدمة بهذا الحجم.
والأكثر إثارة للانتباه أن الاستجابة العاجلة التي اختارتها مدريد تتمثل في اجتماع طارئ لتأمين اللقاحات، بعدما دعت وزارة الصحة الأقاليم الإسبانية إلى تفعيل “آلية تضامن” تسمح بإرسال لقاحات إلى سبتة، تشمل الثلاثي الفيروسي وجدري الماء وشلل الأطفال والكزاز والدفتيريا. ولا شك أن اللقاحات ضرورية، لكن اختزال أزمة بهذا الحجم في صناديق لقاحات يجري نقلها بين الأقاليم يبدو أشبه بمحاولة معالجة صداع مزمن بضمادة، بينما آلاف الأشخاص ما زالوا يعيشون في تجمعات عشوائية تفتقر، بحسب الرواية الإسبانية نفسها، إلى المياه والمراحيض وشروط النظافة الأساسية.
والمشكلة الصحية لا توجد فقط داخل المستشفيات، بل تمتد إلى خارجها أيضاً. فالاكتظاظ وسوء الظروف المعيشية يرفعان مخاطر انتشار بعض الأمراض، فيما تجعل صعوبة تحديد أماكن الأشخاص ومتابعة حالاتهم الصحية العلاج أكثر تعقيداً. ويضاف إلى ذلك خوف بعض المهاجرين من تحديد هوياتهم أو إعادتهم، الأمر الذي قد يدفعهم إلى تفادي المتابعة الطبية أو التخلي عن العلاج. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: السلطات تريد السيطرة على الوضع الصحي، لكنها تواجه في الوقت نفسه ظروفاً ميدانية تجعل السيطرة أكثر صعوبة، وكأن الأزمة قررت أن تفتح لمدريد جبهة جديدة كلما أغلقت واحدة.
وبينما يحاول الحزب الشعبي تقديم المشهد باعتباره دليلاً على فشل حكومة سانشيز، تسعى الحكومة من جهتها إلى تهدئة المخاوف داخل المجتمع المحلي والتأكيد أن الخطر على عموم السكان محدود. لكن سبتة المحتلة لا تحتاج إلى مزيد من التصريحات السياسية بقدر حاجتها إلى إدارة فعالة للأزمة، لأن تحويل كل تطور إلى معركة بين فيخو وسانشيز لن يعالج ضغط المستشفيات، ولن يوفر المياه لمن يعيشون في التجمعات المؤقتة، ولن يسرع معالجة ملفات الإعادة التي تسير، وفق المعطيات التي نشرتها وسائل إعلام إسبانية، بوتيرة شديدة البطء.
وبعد 23 يوماً من بداية الأزمة، لم تكن ملفات الإعادة قد تجاوزت 252 ملفاً، وفق ما أوردته Antena 3، في وقت تتحدث فيه التقارير عن استمرار الفوضى داخل المدينة. وهذه الأرقام تكشف أن المشكلة لم تكن في لحظة العبور فقط، وإنما في اليوم التالي واليوم الذي يليه أيضاً: ماذا ستفعل مدريد بكل هؤلاء الأشخاص؟ وكيف ستدبر أوضاعهم الصحية والاجتماعية والأمنية؟ وكيف ستقنع سكان سبتة بأن الدولة تملك خطة واضحة، بينما يبدو أن كل وزارة تتحرك وفق إيقاعها الخاص، والحكومة والمعارضة تتبادلان الاتهامات أمام الكاميرات؟ ربما وحدها الكاميرات تعرف إلى أين تسير الخطة.
واللافت أن الأزمة الصحية جاءت لتضيف فصلاً جديداً إلى مسلسل الارتباك السياسي والأمني في سبتة المحتلة، بعدما تحولت المدينة خلال الأسابيع الماضية إلى عنوان شبه دائم في الأخبار الإسبانية. وبين الأمن، وبطء الإعادات، والضغط على المستشفيات، والمخاوف الصحية، والمطالب السياسية، تتكشف صورة مدينة صغيرة لم تعد تحتمل إدارة الأزمات بمنطق ردود الفعل المتأخرة. وإذا كانت مدريد تحتاج اليوم إلى اجتماع طارئ لتأمين اللقاحات، فإن السؤال المحرج يبقى قائماً: لماذا لم تكن هذه الاستعدادات موجودة منذ البداية، قبل أن تتحول سبتة إلى مختبر مفتوح لأزمة تتشعب فصولها يوماً بعد آخر؟
وفي النهاية، قد لا يكون الحجر الصحي الذي اقترحه فيخو سوى مسكن سياسي لأزمة أكبر بكثير من مجرد إجراء صحي. فالأمراض لا تنتظر المؤتمرات الصحفية، واللقاحات لا تعالج سوء التدبير، والمستشفيات لا تستطيع وحدها ابتلاع نتائج سياسات مرتبكة. أما سبتة المحتلة، التي تحرص مدريد على تقديمها باعتبارها واجهة أوروبية على الضفة الجنوبية للمتوسط، فتقف اليوم أمام مرآة محرجة: أزمة هجرة، وضغط صحي، وتوتر أمني، وإعادات بطيئة، وحكومة تبحث عن حلول عاجلة، ومعارضة تبحث عن مكاسب سياسية، فيما ينتظر المواطن شيئاً أكثر بساطة: أن يرى دولة تعرف مسبقاً ماذا ستفعل، لا أن تبدأ في البحث عن الخطة بعدما تقع الأزمة.
24/08/2026