يبدو أن السباق نحو المقاعد البرلمانية الثلاثة المخصصة لإقليم الدريوش برسم الانتخابات التشريعية المقبلة دخل مرحلة جديدة، بعدما تجاوزت المنافسة حدود استعراض البرامج والقدرة على إقناع الناخبين، لتصل، وفق معطيات وشهادات توصلت بها “كواليس الريف” في عدد من المناطق، بمحاولات ترهيب سياسي واستعمال اسم الدولة ومؤسساتها في مواجهة خصوم انتخابيين.
وحسب تصريحات عدد من الأوساط الانتخابية بالإقليم، فإن أشخاصاً محسوبين على حزب الأصالة والمعاصرة شرعوا، خلال الأيام الأخيرة، في ممارسة ضغوط على عدد من المنتخبين والفعاليات المحلية والقواعد الانتخابية، خصوصاً ممن يُعتقد أنهم يميلون إلى دعم مصطفى الخلفيوي، مرشح حزب الحركة الشعبية.
وتضع هذه الروايات في مقدمة الأسماء المحرضة محمد مكنيف، شقيق مرشح حزب الأصالة والمعاصرة عزيز مكنيف، إلى جانب خادمه رئيس المجلس الإقليمي مصطفى بنشعيب، ومحمد بوصميض، الرئيس السابق لجماعة أزلاف، فضلاً عن عبد المجيد درقاوي، رئيس جماعة قاسيطة، وأشخاص آخرين لم تحدد هوياتهم بشكل واضح.
وتتحدث المصادر نفسها عن تداول رسائل ذات مضمون خطير سياسياً، مفادها أن المنتخبين أو الفاعلين المحليين الذين سيختارون دعم مصطفى الخلفيوي أو الاصطفاف إلى جانبه قد يتعرضون، حسب أصحاب هذه التهديدات، لإجراءات من طرف السلطة ، أو قد يفقدون مواقعهم ومسؤولياتهم الانتدابية.
والأكثر إثارة للجدل في هذه الروايات هو إقحام اسم السلطة في الصراع الانتخابي، من خلال الادعاء بأن مؤسسات الدولة لا تريد وصول مرشح معين إلى البرلمان، وأنها تقف وراء مرشح آخر.
ومن بين الأسماء التي تُنسب إليها تصريحات من هذا النوع نائب رئيس جماعة وردانة، المعروف باسم الحاج عبدو، حيث يُقال إنه يمارس بدوره ضغوطاً على بعض الأشخاص الذين يفكرون في دعم مصطفى الخلفيوي، عبر الادعاء بأن “السلطة” لا ترغب في نجاح الأخير، وأنها تدعم عزيز مكنيف.
ففي الانتخابات، لا يحتاج الضغط دائماً إلى تهديد مباشر. يكفي أحياناً أن يُقال لشخص إن ( الدولة لا تريد هذا المرشح ) أو إن دعمه قد يجعله يفقد منصبه، حتى يتحول الخوف إلى أداة انتخابية غير معلنة.
وهنا تبرز أسئلة محرجة : من أعطى هؤلاء الحق في الحديث باسم الدولة؟ ومن أين حصلوا على هذه المعطيات التي تجعلهم متأكدين، حسب زعمهم ، من أن مؤسسات السلطة في الإقليم تدعم مرشحاً بعينه وتعارض وصول مرشح آخر؟
والأخطر من ذلك، أن استعمال اسم الدولة في الحملات الانتخابية، لا يعود مجرد مناورة انتخابية عابرة، بل يصبح مسألة تمس جوهر العملية الديمقراطية، لأن الناخب يفترض أن يدخل إلى المعزل الانتخابي وهو يختار بحرية، لا وهو يفكر في احتمال فقدان منصب أو التعرض لعقوبة بسبب اختياره السياسي.
“إما معنا أو الدولة ضدك” … منطق انتخابي كاذب يثير الاستغراب
المثير في المشهد الحالي أن الصراع، وفق متابعين، لم يعد يدور فقط حول إقناع الناخبين ببرنامج أو مشروع سياسي، بل أصبح جزء منه قائماً على محاولة إقناعهم بأن هناك «مرشح الدولة» و ( مرشحاً غير مرغوب فيه ) .
وهذا النوع من الخطاب الخطير ، يطرح إشكالية أكبر من مجرد خلاف بين مرشحين، لأنه يحاول تحويل الانتخابات من منافسة بين الأحزاب والأشخاص إلى معركة بين من يُقال إنه يحظى برضا الدولة ومن يُصوَّر على أنه خارج إرادتها.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا : هل أصبحت صناديق الاقتراع تحتاج إلى ( تعليمات ) غير معلنة حتى يعرف المواطن لمن يصوت؟
المتابعون للشأن المحلي يرون أن مثل هذه الأساليب لا تعكس الثقة في قوة المرشح أو في قدرته على إقناع الناخبين، بقدر ما تعكس، حسب تقديرهم، تخوفاً من تغير موازين القوى الانتخابية.
فلو كان المرشح مطمئناً إلى قوته الميدانية وإلى التفاف الناخبين حوله، فلماذا يحتاج أنصاره، حسب الاتهامات المتداولة، إلى تخويف منافسيه أو تخويف داعميهم باسم الدولة؟
وتأتي هذه التطورات في سياق انتخابي شديد الحساسية بإقليم الدريوش، حيث تبدو المنافسة على المقاعد الثلاثة أكثر احتداماً من الاستحقاقات السابقة، في ظل إعادة ترتيب التحالفات والاصطفافات المحلية.
وتشير المعطيات الواردة من الساحة الانتخابية إلى أن مصطفى الخلفيوي، مرشح حزب الحركة الشعبية، أصبح رقماً صعباً في المعادلة، إلى جانب عبد الله البوكيلي، مرشح حزب التجمع الوطني للأحرار، فيما يحتدم التنافس على المقعد الثالث بين مرشح حزب الاستقلال منعم الفتاحي ومرشح حزب الأصالة والمعاصرة عزيز مكنيف.
وتختلف التقديرات بشأن ترتيب هؤلاء المرشحين، إلا أن الثابت، وفق المتابعين، أن الفوارق قد تكون محدودة، وأن أي تغيير في مواقف المنتخبين والفعاليات المحلية يمكن أن يؤثر بشكل مباشر في النتائج النهائية.
ولهذا السبب تحديداً، تبدو معركة استقطاب الأعيان والمنتخبين والفاعلين المحليين محتدمة، خصوصاً أن انتقال عدد محدود من الداعمين من معسكر إلى آخر قد تكون له كلفة انتخابية كبيرة.
03/09/2026