في السياسة، لا تُقاس قيمة الرجال بعدد المرات التي تصدرت فيها أسماؤهم العناوين، ولا بحجم الضجيج الذي رافق حضورهم، وإنما بما راكموه من تجربة، وما تركوه من أثر، وما استطاعوا أن يحملوه من قضايا من فضاءاتهم المحلية إلى دوائر القرار الوطني والدولي. وفي هذا المعنى تحديداً، يبرز عبد القادر سلامة كواحد من الوجوه التي صنعت حضورها بهدوء، وراكمت موقعها على امتداد سنوات من العمل السياسي والبرلماني والمؤسساتي، إلى أن أصبح اسمها مرتبطاً بجهة الشرق وبعدد من الملفات الوطنية والدبلوماسية.
سلامة، البرلماني لعقود عن دائرة الناظور وجهة الشرق، وأحد الوجوه البارزة في حزب التجمع الوطني للأحرار، والقيادي المعروف بجهة الشرق، والخليفة الأول لرئيس مجلس المستشارين، لا يقدم نفسه باعتباره ظاهرة سياسية عابرة، بل يمثل مساراً طويلاً من الحضور المؤسساتي والميداني، جعل منه شخصية تجمع بين التجربة السياسية والاشتغال البرلماني والانفتاح على الدبلوماسية الموازية. وهي تركيبة تمنح الرجل موقعاً خاصاً داخل المشهد، خصوصاً في مرحلة أصبحت فيها السياسة مطالبة بأكثر من الخطاب، وأكثر من الحضور الظرفي.
في جهة الشرق، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الاقتصاد والسياسة والأسئلة المرتبطة بالتنمية والحدود والانفتاح على المحيط المتوسطي والإفريقي، اكتسب سلامة موقعاً يتجاوز حدود الانتماء الحزبي الضيق. فالحضور السياسي في مثل هذه المجالات لا يُقاس فقط بالمواقع الانتخابية أو التنظيمية، وإنما بمدى القدرة على نقل انتظارات المنطقة إلى المؤسسات، وتحويل المطالب المحلية إلى ملفات قابلة للترافع، وربط القضايا الجهوية بالأجندة الوطنية.
ومن هنا، فإن أحد أبرز مفاتيح قراءة تجربة عبد القادر سلامة يكمن في الدبلوماسية البرلمانية، وخاصة في فضاء أمريكا اللاتينية، حيث راكم خلال سنوات شبكة من العلاقات مع برلمانات وشخصيات سياسية وازنة، وانخرط في التعريف بالقضية الوطنية والدفاع عن مغربية الصحراء، والعمل على تقريب المواقف وفتح قنوات الحوار مع النخب السياسية والبرلمانية في المنطقة.
إنها دبلوماسية مختلفة عن منطق المنابر والخطابات العابرة؛ دبلوماسية تقوم على النفس الطويل، وعلى بناء الثقة، وعلى التواصل المباشر، وعلى تحويل العلاقات الشخصية والمؤسساتية إلى جسور تخدم المصالح الوطنية. وفي القضايا الكبرى، لا تُبنى القناعات السياسية في يوم واحد، وإنما تتشكل عبر تراكم اللقاءات والحوارات والزيارات وتبادل وجهات النظر، وهي مساحة استطاع سلامة أن يشتغل فيها لسنوات.
وفي هذا المسار، تكتسب التكريمات البرلمانية التي حظي بها دلالة تتجاوز بعدها البروتوكولي. فقد حصل على وسام من برلمان جمهورية الإكوادور، كما حظي بتكريمين من البرلمان الأنديني، الأول سنة 2017 والثاني سنة 2026. ومثل هذه المحطات، بعيداً عن بعدها الاحتفالي، تعكس مستوى من الحضور داخل الفضاء البرلماني اللاتيني، وتحمل في بعدها الرمزي معنى التكليف قبل التشريف، لأن الاعتراف بالجهد الدبلوماسي لا ينتهي عند لحظة التكريم، بل يتحول إلى مسؤولية إضافية لمواصلة بناء الجسور وتعزيز الحضور المغربي.
وتزداد أهمية هذا الدور بالنظر إلى المكانة التي أصبحت تحتلها الدبلوماسية البرلمانية ضمن أدوات الدبلوماسية الموازية. فالقضايا الوطنية الكبرى تحتاج إلى حضور داخل البرلمانات، وإلى تواصل مستمر مع الأحزاب والنخب السياسية، وإلى بناء صداقات مؤسساتية قادرة على الصمود أمام تغير الحكومات والائتلافات. وفي هذا السياق، يصبح تراكم العلاقات الذي راكمه البرلماني المغربي في أمريكا اللاتينية جزءاً من رصيد أوسع يخدم الحضور المغربي في هذه المنطقة ذات الأهمية السياسية والاستراتيجية.
وجزء من هذا المسار ارتبط بتقريب شخصيات برلمانية وسياسية من حقيقة الموقف المغربي بشأن قضية الصحراء، وإتاحة فرص للاطلاع المباشر على التطورات التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، بما في ذلك من خلال الزيارات الميدانية. فحين تنتقل القضية من صفحات التقارير والخطابات السياسية إلى المعاينة المباشرة، تتغير طبيعة النقاش، وتصبح الصورة أكثر ارتباطاً بالواقع الميداني والتنمية والاستقرار.
ولم يكن لجهة الشرق ومدينة الناظور أن تغيب عن هذه الدينامية. فقد شكلت المنطقة محطة لاستقبال شخصيات سياسية وبرلمانية من أمريكا اللاتينية، من بينها كريستينا رييس، الرئيسة السابقة للبرلمان الأنديني، وغوستافو باتشيكو، إلى جانب وزير خارجية البيرو الأسبق وشخصيات سياسية وبرلمانية أخرى. وهي محطة لها دلالتها الخاصة، لأنها تضع الناظور وجهة الشرق ضمن خريطة الانفتاح الدبلوماسي والبرلماني، وتقدم المنطقة ليس باعتبارها هامشاً جغرافياً، وإنما باعتبارها فضاءً يمتلك مؤهلات اقتصادية واستراتيجية قادراً على أن يكون جزءاً من صورة المغرب الجديد.
وعلى المستوى الجهوي، لا تختزل تجربة سلامة في الدبلوماسية البرلمانية وحدها. فحضوره ارتبط أيضاً بعدد من الملفات المحلية والجهوية، من خلال العمل المؤسساتي والترافع لدى القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية. وخلال هذه الولاية، انخرط إلى جانب عدد من المنتخبين والبرلمانيين، من بينهم محمد الطيبي، ومحمادي توحتوح، ورفيق مجعيط، ومحمد أبركان، والمستشار عبد العزيز المكنف، إلى جانب فاعلين آخرين، في ترافع جماعي حول ملفات وقضايا تهم المنطقة.
وتبرز أهمية هذا النوع من العمل في كونه يحول السياسة من فضاء للتنافس إلى مجال لبناء الترافع المشترك. فالجهة لا تحتاج فقط إلى أصوات متعددة، وإنما تحتاج إلى قدرة جماعية على تحويل المطالب إلى ملفات، والملفات إلى قرارات، والقرارات إلى مشاريع ونتائج ملموسة. ووفق المعطيات المتداولة حول حصيلة هذا العمل، فقد تم تحقيق أكثر من 80 في المائة من المطالب والملفات التي جرى الاشتغال عليها، وهي حصيلة تظل قابلة للقياس من خلال الوثائق والوقائع، بعيداً عن الانطباعات أو المزايدات.
وهنا تحديداً تظهر قيمة التجربة السياسية؛ فالسياسة التي لا تنتج أثراً تتحول سريعاً إلى مجرد خطاب، بينما تكتسب الممارسة المؤسساتية معناها الحقيقي عندما تصبح قادرة على تحقيق نتائج يمكن للمواطن والجهة والمجال الترابي أن يلمسوا آثارها.
وفي الجانب السياسي، تبدو تجربة سلامة قائمة على التمييز بين الاختلاف والخصومة، وبين المنافسة والتجريح. وهذا التفريق ليس تفصيلاً ثانوياً في الحياة السياسية، بل يمثل أحد شروط استمرار المؤسسات والفاعلين داخل فضاء يسمح بتعدد المواقف دون تحويل الخلاف إلى قطيعة أو صراع شخصي.
ولجهة الشرق، التي تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى توحيد الجهود حول الملفات الكبرى، تصبح هذه القدرة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة جزءاً من الرصيد السياسي نفسه. فالاختلاف في السياسة أمر طبيعي، لكن تحويله إلى استنزاف دائم للطاقات المحلية لا يخدم إلا تأخير القضايا التي تحتاج إلى ترافع موحد وقوي أمام المؤسسات المركزية.
ولعل ما يجعل تجربة عبد القادر سلامة أكثر إثارة للاهتمام هو أنها تجمع بين مستويين قلما يجتمعان في شخصية سياسية واحدة: القدرة على الاشتغال على الملفات المحلية والجهوية، والقدرة في الوقت نفسه على التحرك داخل فضاءات برلمانية ودبلوماسية خارج الحدود. وبين الناظور والرباط وأمريكا اللاتينية، تتشكل خريطة مسار سياسي لا يمكن اختزالها في موقع أو لحظة أو خلاف عابر.
كما أن المعطيات التي برزت في سياق النقاش الأخير حول مساره تتيح استحضار بعض جوانب هذه التجربة، خصوصاً ما يتعلق بالتكريمات والعلاقات البرلمانية والزيارات والملفات التي ارتبطت بالدبلوماسية الموازية. لكن مساراً يمتد لسنوات لا يمكن اختزاله في سجال عابر، كما أن شخصية سياسية بهذا الحجم تستحق أن تُقرأ من خلال مجمل تجربتها وحصيلة عملها، لا من خلال لقطة واحدة من المشهد.
لقد أصبح عبد القادر سلامة يمتلك، بحكم سنوات العمل المؤسساتي والبرلماني، رصيداً من التجربة والعلاقات يمكن أن يشكل قيمة مضافة ليس فقط لمساره السياسي، وإنما لجهة الشرق وللمغرب أيضاً. فالخبرة البرلمانية حين تقترن بشبكة من العلاقات الدولية تتحول إلى أداة يمكن توظيفها في خدمة الدبلوماسية الموازية، خصوصاً في القضايا التي تحتاج إلى تراكم طويل وإلى حضور مستمر داخل المؤسسات والبرلمانات الأجنبية.
وجهة الشرق، بدورها، لا تحتاج فقط إلى من يتحدث باسمها داخل المؤسسات، بل إلى من يستطيع أن يجعل من موقعها الجغرافي والاستراتيجي مدخلاً إلى فرص جديدة، وأن يربط قضاياها المحلية بالتحولات الإقليمية والدولية. ومن هذه الزاوية، فإن امتلاك شخصية سياسية لشبكة علاقات برلمانية ودبلوماسية واسعة يمكن أن يمثل ورقة قوة إضافية للمنطقة وللمغرب.
لذلك، فإن قراءة مسار عبد القادر سلامة لا ينبغي أن تتوقف عند موقعه الحالي أو عند لحظة سياسية بعينها، بل يجب أن تستحضر سنوات من العمل السياسي والبرلماني والترافعي والدبلوماسي. وقد تختلف التقييمات حول بعض الاختيارات والمواقف، وهو أمر طبيعي في الحياة الديمقراطية، لكن الاختلاف لا يلغي قيمة التجربة، ولا يمحو ما راكمته من علاقات وحضور وخبرة.
عبد القادر سلامة اليوم ليس مجرد مسؤول برلماني ينتمي إلى جهة الشرق، وإقليم الناظور الذي دافع عنه وترافع لأجل ساكنة المنطقة بإستمرار ، بل يمثل، بحكم تجربته وعلاقاته وحضوره داخل فضاءات الدبلوماسية البرلمانية، رصيداً سياسياً ودبلوماسياً يمكن أن تستفيد منه الجهة كما يمكن للمغرب أن يوظفه في خدمة قضاياه الوطنية وتعزيز حضوره الدولي. فالرصيد السياسي الحقيقي لا يقاس بعدد المناصب وحدها، وإنما بقدرة صاحبه على تحويل الموقع إلى أثر، والعلاقة إلى جسر، والتجربة إلى قيمة مضافة.
ولهذا، فإن الحديث عن سلامة ليس حديثاً عن ماضٍ سياسي أُغلق بابه، بل عن مسار ما تزال أمامه مساحات واسعة للفعل والعطاء. شمسه السياسية لم تغب، لأنها لم تُبنَ على وهج اللحظة، وإنما على سنوات من الحضور والعمل وتراكم العلاقات والخبرة. وفي زمن تحتاج فيه جهة الشرق إلى أصوات قادرة على الوصول، وإلى رجال يعرفون كيف تتحول الملفات إلى ترافع والروابط إلى فرص، يبدو هذا الرصيد أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ففي السياسة، قد تنطفئ الأضواء، وقد تتغير المواقع، وقد تنتهي الولايات، لكن ما يبقى هو الأثر. وما يميز بعض المسارات عن غيرها هو قدرتها على ترك شيء يتجاوز أصحابها: مؤسسة أقوى، ملفاً دوفع عنه، علاقة فُتحت، فرصة صُنعت، وقضية وطنية وصلت إلى أبعد من حدود الوطن.
ومن هذه الزاوية، فإن مسار عبد القادر سلامة يظل مفتوحاً على فصول جديدة، وقد تكون الدبلوماسية الموازية واحدة من أبرز ساحاته المقبلة؛ ليس فقط لأن الرجل راكم فيها تجربة وعلاقات، وإنما لأن جهة الشرق والمغرب يحتاجان إلى كل رصيد قادر على تحويل الخبرة إلى قوة اقتراح، والعلاقات إلى نفوذ مؤسساتي، والحضور إلى خدمة حقيقية للمصلحة الوطنية.
إنها قصة رجل لم يصنع حضوره من ضجيج العناوين، بل من طول المسار. ولذلك، قد تتغير ملامح المشهد السياسي من حوله، لكن شمسه تظل قادرة على الإشعاع كلما وُظفت تجربته في المكان الذي يحتاجها فيه المغرب أكثر: حيث تلتقي السياسة بالدبلوماسية، والجهة بالوطن، والعلاقات بالمصلحة الوطنية.
03/09/2026