kawalisrif@hotmail.com

مرجان الحسيمة تحت المجهر .. المعهد الوطني للبحث يبرر الاستغلال بالدراسة العلمية، وقبطان الذهب الأحمر يترقب الغنائم بمنظاره !

مرجان الحسيمة تحت المجهر .. المعهد الوطني للبحث يبرر الاستغلال بالدراسة العلمية، وقبطان الذهب الأحمر يترقب الغنائم بمنظاره !

لم يكن فتح باب استغلال المرجان الأحمر بمنطقة طوبو بسواحل الحسيمة قراراً عادياً حتى يحتاج إلى مجرد بلاغ تقني لتبريره، فالأمر يتعلق بثروة بحرية نادرة وحساسة، وبمورد احتاج إلى نحو عقدين من المنع حتى يعود إلى دائرة الاستغلال. وبينما يسارع المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري INRH إلى تقديم وصفة علمية مطمئنة عنوانها الدراسة والاحتياط والاستدامة، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه ليس: هل توجد دراسة؟ بل: هل تكفي الدراسة وحدها لمنح الضوء الأخضر لاستغلال مورد بطيء النمو وشديد الحساسية؟

المعهد، حسب زعمه، يقول إن القرار لم يكن عشوائياً، وإنه جاء بعد دراسة علمية استمرت حوالي ستة أشهر، شملت الاستكشاف والمراقبة والمعاينات الميدانية، وانتهت إلى أن الكتلة الحيوية للذهب الأحمر في منطقة طوبو توجد في وضعية جيدة، وأن جزءاً منها يمكن استغلاله. كلام يبدو مطمئناً على الورق، لكنه لا يلغي حقيقة بسيطة: المرجان ليس حقلاً زراعياً يمكن حصاده كل موسم ثم انتظار محصول جديد، وإنما كائن بحري بطيء النمو، وأي خطأ في تقدير حجم الاستغلال قد لا تظهر فاتورته غداً أو بعد غد، بل بعد سنوات، عندما يصبح إصلاح الضرر أكثر صعوبة وربما مستحيلاً.

وإذا كان المعهد المغلوب على أمره يؤكد أن الأمر يتعلق باستغلال محدود ومؤطر، وليس باستنزاف مفتوح، فإن هذا بالضبط ما يجعل الرأي العام والمهنيين والفاعلين البيئيين محقين في طرح الأسئلة الثقيلة: ما هي الكمية التي ستُستخرج فعلياً؟ وما هي الحصة المحددة؟ ومن سيضمن عدم تجاوزها؟ وكيف ستتم مراقبة المصطادات في البحر؟ ومن سيراقب من؟ وهل ستكون المعطيات العلمية المتعلقة بالكميات المستخرجة وحالة المخزون متاحة للرأي العام والباحثين والمهنيين بشكل منتظم وشفاف؟

المعهد يتحدث عن الحد الأدنى لحجم المرجان المستخرج، وعن حصة للصيد، وعن تقليص مدة الاستغلال، وعن التحكم في جهد الصيد. وهي إجراءات تبدو منطقية من الناحية العلمية، لكن التجارب لا تُقاس بعدد البنود المكتوبة في القرارات، وإنما بقدرة أجهزة المراقبة على فرضها على أرض الواقع، أو بالأحرى في أعماق البحر. فهناك فرق شاسع بين أن تضع الدولة شروطاً صارمة على الورق، وبين أن تمتلك الوسائل البشرية والتقنية الكافية لضمان احترامها في كل رحلة وكل موقع وكل عملية استخراج.

لكن ملف مرجان الحسيمة لا يبدأ اليوم، وهذه نقطة لا ينبغي دفنها تحت طبقات المصطلحات العلمية. فالحسيمة سبق أن عرفت العديد من الجرائم البحرية، منها قضية مرتبطة بتفكيك نشاط لعصابة مرتبطة باستغلال المرجان، مع حديث عن استعانة بأشخاص من إيطاليا، انتهى بطردهم وإغلاق معمل كان مرتبطاً بهذا النشاط المشبوه بشارع فلسطين. ومهما كانت التفاصيل القانونية الكاملة لهذه القضية والجهات التي ثبتت مسؤوليتها فيها، فإن هذا التاريخ وحده كافٍ لرفع درجة اليقظة، لأن الثروات النادرة لا تعاني فقط من الصيد غير القانوني، بل أيضاً من شهية من يعتقدون أن قاع البحر خزينة مفتوحة.

وفي خضم هذا الجدل، تبرز تحركات منير الدراز، رئيس غرفة الصيد البحري المتوسطية، لتمنح المشهد نكهة أخرى لا تخلو من السخرية. فالرجل، في الصورة التي يرسمها منتقدوه، يبدو وكأنه يقف على سطح سفينة، لا بقبعة قبطان عادي، وإنما بمنظار قراصنة، يراقب الأفق وينتظر لحظة ظهور سفينة تحمل كنز الذهب الأحمر. لكن السؤال المهني والسياسي يظل قائماً: لماذا كل هذا الحماس لتغيير قواعد اللعبة؟ ولماذا الإصرار على تفاصيل من قبيل إضافة غطاس ثالث، في وقت يجري فيه الحديث رسمياً عن التحكم في جهد الصيد وتقليص الضغط على مورد بطيء النمو؟

ويبدو المشهد، لو أُخرج في قالب مسرحي، أقرب إلى مسرحية بحرية عنوانها الذهب الأحمر والحارس الأمين: المعهد يرفع راية العلم والاستدامة، تحت الطلب، والمهنيون يتطلعون إلى الغنائم والعائدات، والمنتزه الوطني يترقب مصير مياهه، بينما يظهر في الخلفية قبطان مفترض بمنظار طويل، يراقب كل حركة تحت سطح البحر. المشكلة أن البحر لا يعرف لغة الكواليس؛ فالمرجان لا يهمه من يملك النفوذ ولا من يجلس في مقدمة الغرفة المهنية، وإنما يعرف فقط كم قطعة اقتُلعت من قاعه وكم بقي منه.

أما حكاية الغطاس الثالث، فهي وحدها كافية لفتح فصل كامل من الكوميديا السوداء. فكيف يمكن في الوقت نفسه رفع شعار تقليص جهد الصيد، ثم البحث عن إضافة يد جديدة قادرة على النزول إلى الأعماق واقتلاع المزيد؟ هل أصبح الحفاظ على المرجان يحتاج إلى مزيد من الغواصين؟ وهل اكتشف العلم أخيراً أن الاستدامة تُقاس بعدد الغطاسين وليس بكمية ما يبقى من المرجان؟ أسئلة ساخرة في ظاهرها، لكنها جدية في جوهرها، لأن أي تغيير في عدد الغواصين وقدرة السفن على الاستخراج يجب أن يستند إلى معايير علمية منشورة وواضحة، لا إلى موازين النفوذ المهني.

أما منير الدراز، رئيس غرفة الصيد البحري المتوسطية، فيطرح إصراره على الغطاس الثالث أكثر من علامة استفهام، وسط حديث عن مصالح مرتبطة بهذا الملف. وفي الصورة الساخرة، يبدو كقبطان يحمل منظاره، يراقب كنز الذهب الأحمر، بينما يستعد الغطاس الثالث للنزول إلى الأعماق. ويبقى السؤال: من المستفيد، ولماذا هذا الإصرار؟ فالأرقام والوثائق وحدها كفيلة بإسقاط الأقنعة وكشف حقيقة هذه الرحلة نحو قاع البحر.

والأكثر إثارة للانتباه أن المعهد نفسه يعترف بحساسية المرجان الأحمر وببطء نموه وقابليته للتأثر بضغط الاستغلال. وإذا كان الأمر كذلك، فإن المنطق الاحترازي يفترض أن تكون الشفافية في أقصى مستوياتها، لا أن تظل التفاصيل التقنية حبيسة لغة المؤسسات والتقارير العلمية. المواطن في الحسيمة لا يريد أن يسمع فقط أن كل شيء تحت السيطرة؛ يريد أن يعرف ماذا سيتم استغلاله، وكم سيتم استخراجه، ومن سيستفيد، وكيف سيتم التأكد من أن هذا المورد لن يتحول من ثروة طبيعية إلى غنيمة مؤقتة.

ثم هناك منطقة أكثر حساسية: قرب مجال الاستغلال من المنتزه الوطني للحسيمة. هنا لا يتعلق الأمر بمجرد حسابات تجارية أو تنظيمية، وإنما بمسألة حماية منظومة بيئية بحرية كاملة. والمعهد يؤكد أن مناطق الاستغلال ستحدد بالإحداثيات الجغرافية، وأنه لن يكون هناك تداخل مع المجال البحري الخاضع للمنتزه. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكفي رسم خطوط على الخريطة لحماية البيئة؟ أم أن الأمر يحتاج إلى مراقبة ميدانية دائمة ومستقلة، خصوصاً في منطقة بحرية يصعب فيها اكتشاف التجاوزات لحظة وقوعها؟

أما الحديث عن نظام الصيد الحارس Pêche sentinelle وإشراك المهنيين في عملية التتبع العلمي، فيبدو خطوة مهمة، لكنه يحتاج إلى أكثر من المصطلحات الجميلة. فالمشاركة الحقيقية للمهنيين تعني أن يكونوا شركاء في الرصد والتبليغ، وأن تكون ملاحظاتهم مسموعة، وأن تُنشر نتائج التتبع بشكل دوري، وأن تكون هناك آلية واضحة وسريعة لإيقاف الاستغلال إذا ظهرت مؤشرات تدهور. لأن الاستدامة ليست شعاراً يُرفع عند افتتاح موسم الاستغلال، بل امتحان مستمر يبدأ يوم استخراج أول قطعة من المرجان وينتهي فقط عندما يثبت علمياً أن المخزون قادر فعلاً على التجدد.

المعهد يقول أيضاً إن التدبير سيكون تكيفياً، وإن الاستغلال يمكن تشديده أو تقليصه أو حتى تعليقه إذا أظهرت النتائج العلمية تغيراً في حالة المورد. وهذا اعتراف مهم بأن القرار ليس مقدساً ولا نهائياً. لكن هنا أيضاً يظهر السؤال الأكثر إلحاحاً: من سيضغط على زر التوقف عندما تصبح المؤشرات مقلقة؟ وهل ستكون هناك الشجاعة المؤسساتية الكافية لتعليق النشاط إذا اصطدمت مصالح اقتصادية بنتائج علمية غير مريحة؟

ثم ماذا عن تضارب المصالح المحتمل؟ عندما تكون هناك غرف مهنية، ومصالح اقتصادية، ومستفيدون محتملون، وتراخيص، وثروة بحرية ذات قيمة مرتفعة، فإن الشفافية لا تصبح ترفاً مؤسساتياً، بل شرطاً أساسياً لحماية القرار نفسه. المطلوب هو نشر أسماء المستفيدين من التراخيص، وشروط الاستفادة، والكميات المرخصة، والكميات المستخرجة فعلياً، ونتائج عمليات المراقبة، وأي مخالفات مسجلة والعقوبات المترتبة عنها. عندها فقط يمكن الحديث عن حكامة حقيقية بدل الاكتفاء بالحديث عن الحكامة.

الحسيمة ليست مجرد نقطة على الخريطة البحرية، والمرجان الأحمر ليس مجرد سلعة يمكن حساب قيمتها بالكيلوغرام. المنطقة عاشت لسنوات طويلة على وقع مطالب مرتبطة بالتنمية والعدالة المجالية وحماية مواردها الطبيعية، ولذلك فإن أي قرار يتعلق بثرواتها البحرية لا يمكن أن يُختزل في معادلة تقنية بين الكتلة الحيوية وحصة الاستغلال. هناك أيضاً سؤال العدالة: ماذا سيعود على المنطقة وسكانها من هذه الثروة؟ ومن سيحصل على تراخيص الاستغلال؟ وما هي شروط الاستفادة؟ وهل سيذهب العائد إلى الاقتصاد المحلي والمهنيين الحقيقيين، أم ستجد الحسيمة نفسها أمام سيناريو مألوف: الثروة هنا، والقرار هنا، بينما القيمة المضافة في مكان آخر؟

إن تقديم القرار باعتباره نتيجة لدراسة علمية أمر مفهوم، بل ضروري، لكن العلم لا يمنح شيكاً على بياض للاستغلال. العلم يضع الحدود ويكشف المخاطر ويحدد شروط الاستدامة، أما المسؤولية السياسية والإدارية فتبدأ عندما تتحول تلك النتائج إلى قرار على أرض الواقع. ولذلك فإن المطلوب ليس التشكيك في الباحثين أو في أهمية الدراسات، وإنما التشدد في مراقبة كيفية ترجمة نتائجها إلى ممارسة فعلية.

وبعد قرابة عشرين سنة من منع استغلال المرجان، كان يمكن أن تكون العودة إلى هذا المورد مناسبة لإطلاق نموذج جديد في تدبير الثروات البحرية: نموذج يقوم على الشفافية الكاملة، ونشر نتائج الدراسات، وإشراك المجتمع المدني والمهنيين، وإتاحة المعطيات الأساسية للرأي العام، وربط أي استغلال بمؤشرات علمية قابلة للقياس والمراجعة. أما أن يقال للناس إن كل شيء مدروس وتحت السيطرة، ثم يُطلب منهم الاكتفاء بالتصفيق، فذلك ليس احتياطاً علمياً، بل ثقة عمياء في الإدارة.

وإذا كانت الدولة قد قررت فتح هذا الباب بعد سنوات طويلة من المنع، فإن عليها أن تفتح معه أبواب المعلومات أيضاً. لا يكفي أن يعرف المواطن أن المرجان موجود وأن هناك دراسة قالت إن جزءاً منه قابل للاستغلال؛ بل يجب أن يعرف حجم المخزون، والمنهجية العلمية المعتمدة، ومواقع الاستغلال، والحصص، وعدد السفن، وعدد الغواصين، وكيفية التتبع، ومصير المرجان بعد استخراجه، ومن هم المستفيدون النهائيون من سلسلة القيمة.

المطلوب اليوم ليس إغلاق البحر في وجه المهنيين، ولا تحويل المرجان الأحمر إلى منطقة محرمة بلا نقاش، وإنما منع تحول الثروة إلى سباق نحو القاع. فإذا كانت الكتلة الحيوية فعلاً في وضعية جيدة، فليُكشف للرأي العام حجمها ومعايير تقييمها، وإذا كان الاستغلال محدوداً، فلتُعلن الحصة بدقة، وإذا كانت المراقبة صارمة، فلتظهر نتائجها للرأي العام، وإذا كان المنتزه الوطني محمياً فعلاً، فلتكن آليات الحماية قابلة للتدقيق، وإذا كانت إضافة غطاس ثالث ضرورية علمياً ومهنياً، فلتُكشف مبرراتها ودراساتها للرأي العام دون مواربة.

أما أن تعود الحسيمة إلى ملف المرجان بعد تجربة سابقة انتهت بإغلاق نشاط ومعمل وطرد أشخاص ارتبطوا به، ثم يجد النقاش نفسه اليوم أمام حديث عن مصالح وكواليس وضغوط مهنية ورغبة في توسيع القدرة على الاستخراج، فهنا لا يكفي أن يقال إن كل شيء قانوني ومدروس. القانون يجب أن يكون مكشوفاً، والدراسة يجب أن تكون قابلة للنقاش، والتراخيص يجب أن تكون شفافة، والمراقبة يجب أن تكون مستقلة، والمستفيدون يجب أن يكونوا معروفين.

فالحسيمة لا تحتاج إلى قراصنة يبحثون عن الذهب الأحمر، ولا إلى أبطال ورقيين يرفعون شعار حماية البحر بينما يتسابقون على مفاتيح خزائنه. ما تحتاجه هو قواعد واضحة، ورقابة حقيقية، واستفادة عادلة للمهنيين والمنطقة، ومرجان يبقى في البحر أكثر مما يخرج منه. أما إذا تحول قاع البحر إلى سباق على الغنائم، فقد لا يتبقى بعد سنوات سوى منظار القبطان… وقاع فارغ.

فالمرجان الأحمر قد يكون اليوم في وضعية جيدة، كما يقول INRH، لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في نتائج دراسة من ستة أشهر، بل في ما سيحدث بعد سنوات من الاستغلال. هناك، في أعماق البحر، لن تنفع البلاغات ولا العبارات المطمئنة ولا الشعارات البيئية، ولن تنفع أيضاً لغة الكواليس إذا تحولت الثروة إلى امتيازات خاصة. إما أن تثبت الإدارة أنها فتحت باباً محسوباً ومدروساً ومستداماً وعادلاً، أو أن البحر نفسه سيقدم الدليل على أن الحسابات كانت خاطئة.

وعندما يتكلم البحر، لن يكون هناك بلاغ قادر على إسكات الحقيقة.

03/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts