لم تعد الانتخابات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر الجاري في إقليم الحسيمة مجرد سباق عادي نحو مقاعد البرلمان، بل تحولت إلى ما يشبه ( حرباً سياسية مفتوحة ) ، تعود فيها خصومات الماضي لتصفية حساباتها فوق رقعة انتخابية واحدة، بعدما وجد 3 أسماء ثقيلة أنفسهم في قلب مواجهة تختلط فيها ذاكرة “حراك الريف” ، وإرث ( الحسيمة منارة المتوسط ) ، والصراع على النفوذ داخل الأحزاب، وصولاً إلى كواليس غير مألوفة دخلت فيها حتى ورقة ملكة جمال المغرب على خط الحسابات الانتخابية.
في قلب هذا المشهد يقف نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، إلى جانب محمد بودرا، الرئيس الأسبق لجماعة الحسيمة وللجهة، في مواجهة محمد الحموتي، أحد أبرز الوجوه الانتخابية والتنظيمية داخل حزب الأصالة والمعاصرة، في معركة تبدو أكبر من مجرد صراع بين لائحتين، بعدما أصبحت تحمل في طياتها آثار خصومة تعود إلى أكثر من تسع سنوات.
القصة لم تبدأ في 2026، بل تعود إلى واحدة من أكثر المراحل السياسية حساسية في تاريخ الريف الحديث، حين انفجرت احتجاجات حراك الريف خلال سنتي 2016 و2017، في سياق احتقان اجتماعي ارتبط، من بين الملفات المطروحة آنذاك، بتعثر مشاريع ( الحسيمة منارة المتوسط ) .
في تلك الأجواء، وجد محمد بودرا، الذي كان يشغل رئاسة جماعة الحسيمة باسم حزب الأصالة والمعاصرة، نفسه في مواجهة ضغط شعبي وسياسي غير مسبوق. ووسط تصاعد الاحتجاجات، وجه انتقادات قوية إلى الحكومة المركزية، مستهدفاً بشكل خاص نبيل بنعبد الله، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير السكنى وسياسة المدينة، ومتسائلاً، في مضمون مواقفه، عن مصير المنتخبين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة غضب الشارع، بينما بقي الوزراء بعيدين عن المواجهة الميدانية.
لكن بنعبد الله لم يقبل أن يتحول إلى “كبش فداء” للأزمة، ورد بأن وزارته أدت ما عليها والتزمت بما كان مقرراً ضمن المشروع، في الوقت الذي اعتبر فيه أن جزءاً من الإشكال يرتبط بالتدبير المحلي وبمسؤولية المجالس المنتخبة، رافضاً اختزال الأزمة في الحكومة المركزية.
وهكذا تحولت “منارة المتوسط” من مشروع تنموي إلى عنوان لمعركة سياسية وإعلامية كبرى، انتهت إحدى حلقاتها في أكتوبر 2017 بإعفاء بنعبد الله من منصبه الحكومي.
غير أن خروج بنعبد الله من الحكومة لم ينهِ تداعيات تلك المرحلة، كما أن الأزمة لم توقف عملية إعادة تشكيل موازين القوى داخل حزب الأصالة والمعاصرة بالحسيمة.
ففي الوقت الذي كان فيه بودرا يخوض معركته السياسية، كان محمد الحموتي يوسع نفوذه التنظيمي والانتخابي داخل الحزب، مستفيداً من شبكة علاقاته مع عدد من المنتخبين والفاعلين المحليين ورجال الأعمال والمستثمرين.
ومع مرور السنوات، أصبح الحموتي واحداً من أبرز مهندسي الانتخابات داخل “البام” ، بينما أخذ نفوذ بودرا داخل الحزب يتراجع تدريجياً، خصوصاً بعد تداعيات مرحلة الحراك وما خلفته من إعادة ترتيب للمشهد السياسي المحلي.
وبحسب قراءات سياسية لمهتمين بالإقليم، فإن الصراع لم يعد فقط حول من يقود الحزب، بل أصبح يتعلق بمن يمتلك مفاتيح اللعبة الانتخابية ومن يستطيع بناء شبكة انتخابية قادرة على إنتاج النتائج.
لكن المفاجأة الأكثر غرابة في هذه الحكاية ظهرت من خارج الأسماء السياسية التقليدية، عندما برزت في الكواليس ورقة (.ملكة جمال المغرب السابقة ) .
فوفق معطيات من داخل أوساط سياسية، جرى التواصل مع شخصية نسائية تنحدر من إقليم الحسيمة، سبق أن توجت بلقب ملكة جمال المغرب، وتشتغل في مجال الأعمال وتعيش بين الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الإمارات العربية المتحدة.
وكان الرهان، وفق الرواية نفسها، على تقديمها كوجه انتخابي جديد ومختلف، يحمل صورة امرأة أعمال ذات حضور دولي، وقادر على جذب الانتباه وإرباك الحسابات الانتخابية التقليدية التي تقوم أساساً على شبكات الأعيان والمنتخبين والفاعلين المحليين.
وتفيد التسريبات بأن نبيل بنعبد الله حاول الدفع بهذا الخيار باعتباره ورقة قادرة على خلط الأوراق، وفتح جبهة انتخابية جديدة في وجه القوى التقليدية بالإقليم.
غير أن “ملكة الجمال” لم تدخل في نهاية المطاف غمار السباق الانتخابي، بعدما اصطدم السيناريو، وفق التسريبات نفسها، بتعقيدات الواقع الانتخابي المحلي وتوازنات الأعيان والماكينات الحزبية، ليتم الاتجاه نحو خيار آخر، انتهى بالانفتاح على أحد الوجوه الصحفية الوطنية.
فبعدما حسم حزب الأصالة والمعاصرة تزكيته بدائرة الحسيمة لصالح محمد الحموتي، وجد محمد بودرا نفسه خارج حسابات الحزب الذي كان أحد أبرز وجوهه في الإقليم والجهة .
وفي 12 فبراير 2026، أعلن بودرا استقالته النهائية من حزب “البام” ، في خطوة فتحت الباب أمام واحدة من أكثر التحولات السياسية إثارة في المشهد الحسيمي.
فبدل أن يختفي بودرا من المشهد، عاد من بوابة حزب التقدم والاشتراكية، الحزب الذي ارتبط به سياسياً في مرحلة سابقة، ليجد إلى جانبه هذه المرة نبيل بنعبد الله نفسه.
الرجلان اللذان دخلا في مواجهة سياسية وإعلامية خلال مرحلة “منارة المتوسط” أصبحا اليوم حليفين انتخابيين، بعدما فتح بنعبد الله أبواب ( الكتاب ) أمام بودرا ومنحه تزكية قيادة اللائحة بدائرة الحسيمة.
وبذلك، تحولت خصومة الأمس إلى تحالف اليوم، وتحولت رواية “منارة المتوسط” نفسها إلى جزء من معركة سياسية جديدة.
فبودرا وبنعبد الله يدخلان الاستحقاق المقبل من بوابة مشتركة، في مواجهة الحموتي الذي أصبح عنواناً للنفوذ التنظيمي والانتخابي لـ«البام» في الدائرة.
أنصار بودرا وبنعبد الله يراهنون على شعبية الأول داخل المدينة وعلى الحضور السياسي الوطني للثاني، بينما يراهن الحموتي على التنظيم والشبكات الانتخابية والامتداد المحلي للحزب.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل تكفي شعبية بودرا داخل المدينة لإسقاط ماكينة الحموتي؟ أم أن “البام” سيحول تفوقه التنظيمي إلى تفوق داخل صناديق الاقتراع؟
في الشارع الحسيمي، لا يبدو الجميع متحمساً لهذه الحرب السياسية القديمة بوجوه جديدة. فجزء من النخب الشبابية والمدنية ينظر بقلق إلى إعادة تدوير صراعات الماضي، ويرى أن الناخبين يريدون إجابات عن البطالة، والاستثمار، والتنمية، وفرص الشغل، والخدمات العمومية، أكثر مما يريدون سماع جولة جديدة من الاتهامات المتبادلة حول ما جرى قبل سنوات.
كما أن استحضار ملف الحسيمة منارة المتوسط مجدداً يفتح الباب أمام سجال آخر، يتعلق بمحاولة كل طرف تقديم روايته الخاصة حول مرحلة الحراك وتحديد المسؤوليات السياسية عنها.
ويرى منتقدون أن إعادة فتح هذه الملفات في خضم الحملة الانتخابية قد تتحول إلى وسيلة لاستثمار الذاكرة الجماعية للمنطقة انتخابياً، فيما يعتبر المدافعون عن هذا الطرح أن من حق السياسيين الدفاع عن مواقفهم السابقة وتقديم روايتهم لما جرى أمام الناخبين.
وبين مظلومية الماضي، وقوة الماكينة الانتخابية، وتحالفات الضرورة، وورقة ( ملكة الجمال ) التي كادت، وفق الروايات السياسية محليا ، أن تقلب بعض الحسابات، تستعد الحسيمة لخوض واحدة من أكثر معاركها الانتخابية إثارة.
المعركة هذه المرة ليست فقط على مقعد برلماني، بل على من يمتلك القدرة على إعادة تشكيل موازين القوى في واحدة من أكثر مناطق المغرب حساسية سياسياً.
وسيكون يوم 23 شتنبر هو لحظة الحقيقة: إما أن ينجح تحالف خصمي الأمس في إسقاط نفوذ الحموتي، أو تؤكد صناديق الاقتراع أن الماكينة الانتخابية والتنظيمية ما تزال صاحبة الكلمة الفصل.
03/09/2026