تسببت الحرب الأمريكية على إيران، منذ اندلاعها أواخر فبراير الماضي وتجددها لاحقا، في اضطراب واسع بإمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال والسلع الأساسية العابرة لمضيق هرمز. ورغم أن تعطل شحنات النفط تجاوز ملياري برميل منذ بداية السنة، وصفت وكالة الطاقة الدولية التطورات بأنها أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية، فإن الصدمة لم تتحول إلى أزمة نفطية عالمية بحجم أزمات السبعينيات، مع بقاء أسعار الخام دون المستويات القياسية المسجلة خلال أزمات سابقة واستمرار النشاط الاقتصادي بوتيرة قريبة من المعتاد. ويرى فيجاي في. فيثيسواران، الخبير بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أن وفرة الإمدادات قبل اندلاع القتال، إلى جانب سحب نحو 273 مليون برميل من المخزونات الاستراتيجية، واستخدام السعودية والإمارات مسارات بديلة لنقل النفط، فضلا عن ارتفاع الإنتاج الأمريكي، ساهمت مجتمعة في الحد من تداعيات اضطراب الإمدادات.
غير أن الدرس الأبرز، بحسب التحليل، يرتبط هذه المرة بجانب الطلب وليس العرض فقط. فقد أظهرت الصين قدرة لافتة على خفض وارداتها البحرية من النفط الخام بأكثر من خمسة ملايين برميل يوميا حتى يونيو الماضي، أي بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، مستفيدة من احتياطياتها الاستراتيجية ومن الفحم والطاقة المتجددة، مع فرض قيود على صادرات المنتجات النفطية. كما ساعدت سياسات ترشيد الاستهلاك والتوسع في النقل العمومي والمركبات البديلة على كبح الطلب المحلي على الوقود الأحفوري، ما أظهر أن إدارة الطلب يمكن أن تصبح أداة فعالة في مواجهة صدمات الطاقة، بعدما ظلت السياسات تركز لعقود على زيادة المعروض. ويستعيد هذا الطرح أفكار الباحث أموري لوفينز الذي دعا قبل نحو نصف قرن إلى تنويع مصادر الطاقة ورفع كفاءتها، في تصور اعتبر آنذاك طموحا لكنه اقترب كثيرا من واقع الاستهلاك الأمريكي لاحقا.
ومع تسارع التحول نحو الكهرباء والتقنيات الأقل استهلاكا للطاقة، يرى فيثيسواران أن الكفاءة قد تنتقل من موقعها كـالوقود المنسي إلى ما تسميه وكالة الطاقة الدولية الوقود الأول. وتعزز هذا الاتجاه تعهد نحو 200 دولة خلال كوب 28 بمضاعفة معدل التحسن العالمي في كفاءة استخدام الطاقة إلى 4 في المائة سنويا بحلول 2030، في وقت ينمو فيه استخدام الكهرباء بوتيرة تفوق نمو الطلب الإجمالي على الطاقة. كما سجلت صادرات الصين من المركبات الكهربائية نحو 9.2 مليارات دولار في ماي، بزيادة تقارب 50 في المائة على أساس سنوي، في مؤشر على تسارع البحث عن بدائل تقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري. وبذلك، قد تفرض أزمات الطاقة المقبلة مقاربة مختلفة، يصبح فيها خفض الطلب ورفع الكفاءة جزءا أساسيا من حماية الاقتصادات، بدل الاعتماد الحصري على زيادة الإنتاج والإمدادات.
03/09/2026