وجهت الشرطة الوطنية الإسبانية ضربة قوية إلى واحدة من أخطر البنى المالية السرية المرتبطة بشبكات الاتجار الدولي بالمخدرات، بعدما تمكنت من تفكيك شبكة مرتبطة بما يعرف ب ـ( بنك دبي ) ، الذي تصفه السلطات بأنه أحد أهم البنوك السرية المستخدمة من قبل كبار أباطرة المخدرات لنقل الأموال وتبييض عائدات الأنشطة الإجرامية.
وأسفرت العملية عن توقيف 21 شخصاً، من بينهم الرجل الذي يشتبه المحققون في أنه زعيم أو وسيط رئيسي داخل هذا البنك السري، في وقت كشفت فيه التحقيقات عن حجم هائل من المعاملات المرتبطة بالعملات المشفرة، بلغ نحو تريليوني دولار.
ولا يعني هذا الرقم أن الشرطة ضبطت تريليوني دولار أو أن المبلغ بأكمله يعود إلى المنظمة الإجرامية، بل يعكس حجم معاملات الأصول الرقمية التي تمكن المحققون من رصدها خلال التحقيق، وهو ما يكشف في المقابل عن المستوى الهائل للتدفقات المالية التي يمكن أن تتحرك عبر هذه البنية السرية.
كما تمكنت السلطات من تحديد أصول عقارية تقدر قيمتها بنحو 20 مليون يورو، فيما لم تكشف وزارة الداخلية الإسبانية بعد عن العدد الدقيق للعقارات التي تم تحديدها، أو الدول التي توجد فيها، أو حجم الأصول التي جرى تجميدها أو حجزها فعلياً بموجب الإجراءات القضائية.
وحملت العملية اسم «Drahab»، ونُفذت في 22 يوليوز الماضي بمشاركة عناصر من الوحدة المركزية لمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة (UDYCO) ووحدة الجرائم الاقتصادية والمالية (UDEF)، بتنسيق مع النيابة العامة لمكافحة المخدرات التابعة للمحكمة الوطنية الإسبانية، وبالتعاون مع يوروبول والإنتربول، في مؤشر على الطبيعة العابرة للحدود للشبكة المستهدفة.
ووصف المفوض الرئيسي ألبرتو موراليس، من وحدة UDYCO، العملية بأنها «ضربة بالغة الأهمية»، مؤكداً أن المحققين تمكنوا من استهداف مصدر تمويل كبار أباطرة المخدرات الذين كانوا يغرقون أوروبا بالكوكايين، مضيفاً أن هذه الضربة ستجعل أوروبا «أكثر أمناً لفترة من الوقت».
وبحسب التحقيقات، لم يكن «بنك دبي» بنكاً تقليدياً بالمعنى المعروف، وإنما كان بمثابة بنية مالية سرية تستخدمها المنظمات الإجرامية لتلقي الأموال وتحويلها وتسويتها وإخفاء مصدرها بعيداً عن أعين المؤسسات المالية والسلطات المختصة.
وتعمل مثل هذه الشبكات خارج الضوابط المعتادة للنظام المالي، وتجمع بين الأموال النقدية والوسطاء المنتشرين في دول مختلفة والشركات الوهمية والاستثمارات العقارية، فضلاً عن العملات المشفرة، بما يسمح لشبكات المخدرات بتحريك أموالها بين البلدان، ودفع تكاليف شحناتها وتمويل عمليات جديدة، مع جعل مهمة السلطات في تتبع مصدر الأموال ومسارها أكثر تعقيداً.
وتعود بداية التحقيقات إلى سنة 2021، عقب اعتراض سفينة «Nehir» في المياه القريبة من الساحل الأستوري، حيث عثرت السلطات على قرابة طنين من المخدرات على متنها، بينما جرى إغراق كمية أخرى تقدر بنحو 1.6 طن.
ومن خلال التحقيقات اللاحقة، تمكن المحققون من إثبات أن المنظمة الإجرامية كانت تعتمد على «بنك دبي» في عملياتها المالية، لتتحول القضية تدريجياً من مجرد مطاردة شحنات المخدرات إلى تفكيك البنية المالية التي تقف خلفها.
ولم تتوقف العملية عند الاعتقالات الـ21، إذ أصدرت السلطات الإسبانية 19 مذكرة توقيف دولية، تم تنفيذ سبع منها حتى الآن. وشملت الاعتقالات الدولية أربعة أشخاص في الإمارات العربية المتحدة، وشخصاً في مصر، وآخر في هولندا، وشخصاً في السويد.
كما تمكنت السلطات من ربط «بنك دبي» بأربعة من كبار المشتبه في تورطهم في الاتجار بالمخدرات، من بينهم الإسباني المعروف بلقب «النمر» (El Tigre)، الذي لا يزال في حالة فرار ومطلوباً للعدالة.
وتكشف العملية أن الحرب على شبكات المخدرات لم تعد تقتصر على اعتراض القوارب والشحنات أو اعتقال المهربين في الميدان، بل انتقلت إلى مستوى أكثر تعقيداً، يتمثل في تجفيف منابع التمويل وتفكيك الشبكات المالية التي تسمح لأباطرة المخدرات بإعادة تدوير أرباحهم وتمويل عمليات جديدة عبر الحدود.
كما أن الجمع بين خبرة UDYCO في مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة وخبرة UDEF في الجرائم الاقتصادية وغسل الأموال، إلى جانب مشاركة يوروبول والإنتربول، يعكس حجم وتشعب الشبكة، التي لم تكن محصورة في بلد واحد، بل امتدت عبر أشخاص وشركات وأموال وأصول موزعة بين عدة دول.
ورغم حجم العملية، لا تزال وزارة الداخلية الإسبانية تحتفظ بجزء من التفاصيل، خصوصاً العدد الكامل للمحتجزين في كل دولة، وعدد عمليات التفتيش المنفذة، وطبيعة الأصول التي جرى تجميدها أو حجزها، فضلاً عن الطريقة الدقيقة التي كان «بنك دبي» يستخدمها لتحويل وتسوية الأموال.
لكن المعطى الأكثر إثارة في التحقيق يبقى رقم تريليوني دولار من معاملات العملات المشفرة التي تمكن المحققون من رصدها، وهو رقم لا يمثل أموالاً صادرتها الشرطة ولا يعني أنها ملك للعصابة، لكنه يكشف عن حجم العالم المالي الهائل الذي تحركت داخله هذه الشبكة.
وفي نهاية المطاف، لم تكن الشرطة الإسبانية تطارد هذه المرة شحنة كوكايين أو قارباً محملاً بالمخدرات، بل طاردت ما هو أخطر: المال الذي يجعل تجارة المخدرات تستمر وتتمدد عبر القارات. فخلف كل شحنة وكل شبكة تهريب وكل إمبراطورية إجرامية، توجد منظومة مالية تعمل في الظل .
08/09/2026