kawalisrif@hotmail.com

سبتة تختنق … إسبانيا تتدرب مع المغرب تحت عين واشنطن لحراسة حدود لا تستطيع حراستها وحدها !

سبتة تختنق … إسبانيا تتدرب مع المغرب تحت عين واشنطن لحراسة حدود لا تستطيع حراستها وحدها !

تشارك إسبانيا والمغرب في مناورات بحرية دولية إلى جانب الولايات المتحدة، في وقت تواجه فيه سبتة المحتلة تداعيات أكبر أزمة هجرة عرفتها مؤخرا، في مشهد يعيد مضيق جبل طارق إلى واجهة الحسابات الأمنية والاستراتيجية في غرب البحر المتوسط.

وتجري هذه المناورات تحت اسم فينيكس إكسبريس 2026، وتنظمها تونس بمشاركة نحو 400 عسكري ومراقب من 13 دولة، في إطار مناورة بحرية دولية بقيادة الأسطول السادس التابع للبحرية الأمريكية. وتشارك فيها كل من الولايات المتحدة وإسبانيا والمغرب وفرنسا وتركيا ومصر وإيطاليا، إلى جانب دول أخرى، بهدف تعزيز التعاون والتنسيق بين القوات البحرية المشاركة.

وانطلقت المناورات في 7 سبتمبر الجاري من القاعدة البحرية بحلق الوادي في تونس، ومن المقرر أن تستمر لمدة 12 يوما. وتشمل التدريبات عمليات اعتراض السفن وتفتيشها، وعمليات البحث والإنقاذ، وتبادل المعلومات الاستخباراتية البحرية، إلى جانب التدريب على استخدام المركبات السطحية غير المأهولة وتعزيز القدرة على رصد الأنشطة غير القانونية في البحر.

وعلى الورق، تبدو أهداف هذه المناورات تقنية وأمنية بحتة، من خلال تعزيز تبادل المعلومات البحرية في الوقت الحقيقي، وبناء صورة عملياتية مشتركة، وتحسين التنسيق بين مراكز العمليات البحرية، والتدرب على التعامل مع مختلف التهديدات التي يمكن أن تواجه أمن الملاحة في البحر المتوسط.

غير أن توقيت هذه المناورات يمنحها أهمية خاصة بالنسبة إلى إسبانيا، خصوصا أن سبتة المحتلة لا تزال تعيش على وقع تداعيات أزمة هجرة غير مسبوقة، أعقبت دخول أعداد كبيرة من الأشخاص إلى المدينة المحتلة. وهكذا، بينما تتدرب القوات البحرية على المراقبة والاعتراض والإنقاذ ومنع الأنشطة غير القانونية، تواصل مدريد البحث عن إجابات حول ملابسات الأزمة التي وضعت حدود سبتة تحت ضغط استثنائي.

وتكشف المشاركة المشتركة بين المغرب وإسبانيا والولايات المتحدة عن مفارقة لافتة في العلاقات بين مدريد والرباط. فالمغرب يعد بالنسبة إلى إسبانيا شريكا أساسيا في ملفات الأمن والهجرة ومحاربة الجريمة المنظمة، وفي الوقت نفسه وجدت مدريد نفسها أمام أزمة هجرة مرتبطة بحدودها الجنوبية، وهو ما أعاد سبتة المحتلة إلى قلب النقاش الأمني والسياسي الإسباني.

وكانت وثائق إسبانية رفعت عنها السرية قد كشفت أن المركز الوطني للاستخبارات الإسباني حذر، قبل أحداث 30 يوليوز، من دعوات منظمة عبر شبكات التواصل الاجتماعي لمحاولة الوصول إلى المدينة المحتلة. كما أشار تقرير لاحق صادر عن المركز الوطني للهجرة والحدود التابع للشرطة الإسبانية إلى مؤشرات اعتبرها مرتبطة بكون العملية مخططا لها وليست عفوية، وتحدث عن احتمال توجيه بعض المهاجرين، من دون أن ينسب التقرير مباشرة إلى الحكومة المغربية مسؤولية التخطيط للعملية.

وفي قلب هذه المعادلة يظهر مضيق جبل طارق باعتباره أكثر من مجرد ممر بحري. فالمضيق يشكل بوابة استراتيجية بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، ويمر عبره جزء مهم من حركة الملاحة والتجارة والطاقة بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي، الأمر الذي يمنحه وزنا عسكريا واقتصاديا واستراتيجيا كبيرا.

ومن هنا تكتسب المشاركة المغربية في مناورات تقودها الولايات المتحدة إلى جانب إسبانيا أهمية خاصة. فواشنطن تنظر إلى غرب البحر المتوسط وشمال إفريقيا باعتبارهما مجالا استراتيجيا، بينما تعمل القوات الأمريكية بصورة منتظمة مع حلفائها وشركائها لتعزيز الأمن والاستقرار وحماية المصالح المرتبطة بالممرات البحرية الحيوية.

كما أن التطور المستمر في القدرات العسكرية المغربية جعل المملكة لاعبا أكثر حضورا في المعادلات الأمنية الإقليمية. ولذلك، فإن التعاون العسكري بين الرباط وواشنطن لم يعد مجرد تدريبات محدودة، بل أصبح جزءا من شبكة أوسع من الشراكات الأمنية والعسكرية التي تشمل منطقة المتوسط وإفريقيا.

وبالنسبة إلى مدريد، فإن المشاركة في مثل هذه المناورات تتيح لها الحفاظ على التنسيق العملياتي مع الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين والمتوسطيين، خصوصا في منطقة تمس مصالحها الأمنية بصورة مباشرة. فالمعادلة لم تعد مرتبطة فقط بالسياج الحدودي لسبتة المحتلة، وإنما أصبحت تشمل البحر والممرات البحرية والمراقبة وتبادل المعلومات والقدرة على الاستباق أمام تحركات قد تتحول إلى أزمات جديدة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: إسبانيا تبحث عن مزيد من الأمن حول سبتة المحتلة، لكنها تجد نفسها في الوقت نفسه أمام حقيقة جغرافية لا يمكن تجاهلها؛ فالمغرب هو الجار المباشر، وهو أيضا شريك أمني وعسكري تتعامل معه مدريد وواشنطن في ملفات استراتيجية تتجاوز بكثير حدود المدينة المحتلة.

وهكذا، لم تعد سبتة المحتلة مجرد نقطة صغيرة على خريطة إسبانيا، بل تحولت إلى عقدة تتقاطع عندها ملفات الهجرة والأمن والعسكر والجغرافيا السياسية. وكلما ارتفع منسوب التوتر حولها، اتسعت دائرة اللاعبين من الضفة الأوروبية إلى شمال إفريقيا، وصولا إلى واشنطن.

ويبقى السؤال معلقا فوق مياه المضيق: كيف تستطيع مدريد إدارة معادلة تريد فيها تأمين سبتة المحتلة، بينما تفرض عليها الجغرافيا التعاون مع المغرب في ملفات الأمن والهجرة والملاحة؟ وبين أسوار المدينة المحتلة ومياه المضيق، تبدو الحقيقة الأكثر إزعاجا لمدريد واضحة: الأسلاك الشائكة قد تعزل مدينة، لكنها لا تستطيع عزل الجغرافيا، والمناورات قد تعزز الأمن، لكنها لا تستطيع تغيير حقائق التاريخ والموقع والجوار.

10/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts