في تطور سياسي غير مسبوق، تستعد قيادات اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية لعقد اجتماع مشترك بمدينة كارديف، في خطوة قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في تاريخ المملكة المتحدة، بعدما أصبحت المناطق الثلاث خاضعة لأحزاب ذات توجهات استقلالية، في مشهد يضع مستقبل الاتحاد البريطاني أمام اختبار سياسي غير مسبوق.
ومن المرتقب أن يخرج اجتماع كارديف بإعلان مشترك يطالب بالحق في تنظيم استفتاءات حول الاستقلال، مستندا إلى التحول السياسي الذي شهدته المناطق الثلاث. فاسكتلندا يقودها الحزب الوطني الاسكتلندي، وويلز أصبحت تحت قيادة حزب بلايد كيمرو القومي، بينما تتولى شين فين زمام القيادة في أيرلندا الشمالية.
ويأتي هذا التحرك في ظرف سياسي حساس، خصوصا بعد التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته إلى أيرلندا، والتي عبّر فيها عن تأييده لفكرة توحيد جزيرة أيرلندا، بما يشمل أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا. تصريحات أعادت ملف الوحدة الأيرلندية إلى الواجهة ورفعت منسوب التوتر السياسي حول مستقبل الاتحاد البريطاني.
أما في ويلز، فقد شكلت الانتخابات الأخيرة نقطة تحول لافتة، بعدما أدى تراجع حزب العمال إلى صعود حزب بلايد كيمرو القومي، الذي تمكن من الوصول إلى قيادة الحكومة المحلية. وبذلك أصبح قادة الحكومات المحلية في المناطق الثلاث من المؤيدين للاستقلال في آن واحد، وهي سابقة لم يعرفها تاريخ المملكة المتحدة.
وفي أيرلندا الشمالية، كانت شين فين قد تصدرت انتخابات عام 2022، قبل أن تؤدي الأزمة السياسية وانسحاب الحزب الديمقراطي الوحدوي من الحكومة إلى تأخير وصول زعيمة الحزب ميشيل أونيل إلى منصب الوزيرة الأولى حتى عام 2024. وتشير المعطيات السياسية إلى أن الحزب القومي قد يحافظ على موقعه المتقدم خلال الاستحقاقات المقبلة.
وتتجاوز الوثيقة المرتقبة مجرد المطالبة السياسية بالاستقلال، إذ تتضمن، وفق ما نقلته مصادر إعلامية بريطانية، محاور تتعلق بالاقتصاد والطاقة وأوروبا والتعاون الدولي وتقرير المصير. كما تتقاطع الرؤية بين الأطراف الثلاثة حول مستقبلها الأوروبي، مع طرح إمكانية انضمام اسكتلندا وويلز إلى الاتحاد الأوروبي كدولتين مستقلتين، بينما تعود أيرلندا الشمالية إلى الاتحاد الأوروبي ضمن دولة أيرلندا الموحدة.
وفي المقابل، يجد رئيس الوزراء البريطاني أندي برنهام نفسه أمام معادلة سياسية شديدة التعقيد، بعدما صعّد رئيس الوزراء الاسكتلندي جون سويني لهجته، داعيا إياه إلى الاستعداد لما وصفه بمستقبل ما بعد المملكة المتحدة. وبالنسبة لسويني، فإن اجتماع القيادات الثلاث في كارديف يمثل فرصة لبحث تصور جديد للعلاقات بين شعوب الجزر البريطانية، بعيدا عن الوضع الدستوري القائم.
وتزداد حساسية الملف بسبب موقف الحكومة البريطانية من الاستفتاءات، خصوصا بعدما ألمح برنهام إلى إمكانية إجراء استفتاء جديد حول استقلال اسكتلندا إذا توفرت الإرادة الشعبية لذلك، في وقت تمنح ترتيبات اتفاق الجمعة العظيمة لعام 1998 وضعا خاصا لأيرلندا الشمالية، إذ يمكن الدعوة إلى استفتاء حول الوحدة الأيرلندية عندما تتوافر مؤشرات جدية على إمكانية تصويت الأغلبية لصالحها.
وهكذا، لا تبدو قصة كارديف مجرد اجتماع سياسي عابر، بل محطة تكشف أن سؤال وحدة المملكة المتحدة لم يعد حكرا على اسكتلندا وحدها. فحين تجتمع ثلاث قيادات محلية ذات توجهات استقلالية حول طاولة واحدة، يصبح السؤال أكثر إحراجا للندن: هل تستطيع المملكة المتحدة الحفاظ على اتحادها بالشكل نفسه، أم أن ساعة إعادة رسم الخريطة السياسية للجزر البريطانية قد بدأت بالفعل؟
وقد يكون أخطر ما في المشهد أن المملكة المتحدة التي اعتادت تقديم نفسها كاتحاد مستقر، تجد نفسها اليوم أمام حركة سياسية تأتي من داخل البيت نفسه، ومن ثلاث جبهات في وقت واحد. وإذا تحولت المطالب إلى استفتاءات ثم إلى استقلالات، فقد لا يكون اجتماع كارديف سوى الفصل الأول من قصة أطول، عنوانها الكبير: بريطانيا التي كانت تعرف نفسها قد تستيقظ يوما لتكتشف أن اسمها السياسي وحدوده الداخلية لم يعودا كما كانا.
13/09/2026