kawalisrif@hotmail.com

الجزائر :   ضيف ترامب الكبير يصل، وواشنطن تفتح دفتر المصالح … هل حمل بولس “رسائل ثقيلة” بخصوص الصحراء المغربية أم مجرد مصافحة دبلوماسية ؟

الجزائر : ضيف ترامب الكبير يصل، وواشنطن تفتح دفتر المصالح … هل حمل بولس “رسائل ثقيلة” بخصوص الصحراء المغربية أم مجرد مصافحة دبلوماسية ؟

في يوم دبلوماسي حافل بالاجتماعات، استقبلت الجزائر مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، في زيارة حاولت الجزائر منحها الكثير من الزخم السياسي، فيما اختارت واشنطن لغة أكثر هدوءاً، تقوم أساساً على المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي والأمني.

وبحسب ما نشرته السفارة الأمريكية في الجزائر، فقد اختتم بولس زيارته بيوم كامل من الاجتماعات والنقاشات حول “الاهتمامات المشتركة” و”فرص تعزيز التعاون بين الولايات المتحدة والجزائر”. كما التقى الرئيس عبد المجيد تبون، والوزير الأول سيفي غريب، ووزير الدولة وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، إضافة إلى الرئيس المدير العام لشركة سوناطراك، نور الدين داودي.

والرسالة الأمريكية تبدو واضحة لمن يقرأ ما بين السطور دون الحاجة إلى عدسة مكبرة: واشنطن تتحدث عن الأمن والاقتصاد والطاقة والتجارة وفرص التعاون، أي عن ملفات المصالح المباشرة، وليس عن منح الجزائر “شيكاً دبلوماسياً على بياض”. بل إن مسعد بولس وصف الجزائر بأنها شريك مهم للولايات المتحدة في تعزيز الأمن الإقليمي وتوسيع الفرص الاقتصادية وتحقيق الازدهار للبلدين.

وهنا تحديداً تبدأ الحكاية الأكثر إثارة.. فالبيان الأمريكي، رغم كثافة اللقاءات وارتفاع مستوى المسؤولين الذين التقاهم بولس، لم يحوّل الزيارة إلى إعلان عن تحالف استراتيجي جديد، ولم يقدم للجزائر ما يمكن تسويقه باعتباره انتصاراً جيوسياسياً مدوياً. فالأمر، ببساطة، يتعلق بتطوير التعاون التجاري والأمني والطاقوي، وهي ملفات تعرف واشنطن جيداً كيف تفصل بينها وبين الحسابات السياسية الكبرى.

والأكثر دلالة أن السفارة الأمريكية تحدثت عن “مواصلة العمل استناداً إلى نقاشات اليوم”، وتعزيز التعاون التجاري والسعي إلى تحقيق الأهداف المشتركة. وبمعنى آخر، لا تزال واشنطن تضع دفتر المصالح فوق طاولة المفاوضات، وليس دفتر الأمنيات السياسية الذي قد يرغب البعض في قراءته بين السطور.

ومن الجانب الجزائري، لا شك أن زيارة مسؤول بهذا المستوى تشكل فرصة لإعادة تسويق الجزائر باعتبارها لاعباً إقليمياً مهماً، خصوصاً في ظل رغبتها في توسيع علاقاتها مع واشنطن واستثمار موقعها وطاقتها وملفاتها الإفريقية. وقد نقلت وسائل إعلام جزائرية عن بولس تأكيده أهمية الجزائر بالنسبة إلى الولايات المتحدة في مجالي الأمن والاقتصاد.

لكن بين “شريك مهم” و”حليف استراتيجي” مسافة سياسية كبيرة.. وبين اجتماع رفيع المستوى وتحول في المواقف الأمريكية مسافة أكبر. وهذه هي النقطة التي قد تكون مزعجة لبعض الحالمين بتحويل كل زيارة أمريكية إلى مهرجان انتصارات دبلوماسية.

وفي المقابل، يظل الموقف الأمريكي من قضية الصحراء المغربية محكوماً بسياق آخر لا تمحوه زيارة إلى الجزائر، ولا تعيد صياغته صورة جماعية في قصر الرئاسة. فقد سبق لمسعد بولس أن أكد دعم واشنطن لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساساً للحل في قضية الصحراء، في إطار السياسة الأمريكية المعروفة تجاه هذا الملف.

وبذلك، فإن وصول مستشار ترامب إلى الجزائر لا يعني بالضرورة أن واشنطن أعادت ترتيب بوصلتها المغاربية، كما قد يتمنى البعض أن يوحي. فالولايات المتحدة تستطيع في الوقت نفسه أن تتعاون مع الجزائر في مجالات الطاقة والأمن والتجارة، وأن تحافظ على مواقفها الاستراتيجية تجاه المغرب والصحراء المغربية. فالدبلوماسية الأمريكية، في نهاية المطاف، ليست مباراة كرة قدم يلزم فيها اختيار فريق واحد.

وإذا كانت الجزائر قد نجحت في الحصول على يوم كامل من اللقاءات رفيعة المستوى، فإن السؤال الحقيقي ليس كم مسؤولاً التقى بولس، وإنما ماذا ستنتج هذه اللقاءات على أرض الواقع؟ هل ستتحول عبارات “تعزيز التعاون” إلى استثمارات واتفاقيات وشراكات طويلة الأمد، أم ستبقى الزيارة ضمن أرشيف الصور والبروتوكولات والبيانات الدبلوماسية التي تبدأ بـ”كان يوماً مثمراً” وتنتهي عادة بعبارة “نتطلع إلى مواصلة العمل”؟

في السياسة الدولية، الصورة جميلة، والاستقبال مهم، والبيان الرسمي أنيق.. لكن المصالح هي التي تدفع الفاتورة في النهاية. وهنا بالضبط يبدو أن واشنطن جاءت إلى الجزائر لتبحث عن مصالحها، بينما سيكون على الجزائر أن تثبت أن لديها ما تقدمه فعلاً، لا أن تكتفي بالاحتفال بوصول ضيف أمريكي رفيع المستوى.

وفي انتظار أن تتحول عبارات “التعاون وتعزيز الشراكة” إلى شيء أكثر من صور الاستقبالات وبيانات المجاملات، يبقى السؤال مطروحاً: هل جاءت واشنطن إلى الجزائر بحثاً عن شريك حقيقي، أم أن الجزائر اكتفت هذه المرة أيضاً بالاحتفال بوصول “الضيف الأمريكي الكبير”؟ ففي عالم السياسة، لا تكفي المصافحة لتغيير موازين المنطقة، ولا تكفي صورة جماعية لإعادة رسم الخريطة.. خصوصاً عندما تكون المصالح الأمريكية تعرف طريقها جيداً، ولا تحتاج إلى من يرسم لها الاتجاه.

14/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts