تدخل الانتخابات التشريعية بدائرة الناظور أيامها الأخيرة وسط واحدة من أكثر الخرائط الانتخابية تعقيدا خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحولت المنافسة على المقاعد الأربعة إلى حرب أرقام وخرائط نفوذ تمتد من بني أنصار وبني شيكر إلى تزطوطين وسلوان والعروي وزايو وأركمان مرورا ببوعرك والناظور.
وبينما تشير المعطيات الرسمية إلى وجود 17 مرشحا يتنافسون على أربعة مقاعد، فإن الحسابات التي تتداولها مصادر شبه رسمية ومهتمون بالشأن الانتخابي ترسم سباقا مفتوحا، تتداخل فيه قوة المرشح الشخصية مع رصيده الحزبي، وتتأثر فيه النتائج المحتملة بنسبة المشاركة وتوزيع الأصوات بين عشرات الجماعات والمناطق.
واللافت في الساعات الأخيرة أن اسمين يبدوان في واجهة معركة المركز الأول وفق تقديرات مهتمين : محمد المومني عن الأصالة والمعاصرة وحليم فوطاط عن التجمع الوطني للأحرار، مع امتياز طفيف للمومني في بعض الحسابات، لكن دون أن يعني ذلك حسم أي ترتيب قبل ظهور النتائج الرسمية.
العدالة والتنمية يدخل لعبة الـ30 في المائة
في قلب هذه الحسابات، يبرز رهان مرشح حزب العدالة والتنمية محمد الصادقي على نسبة مشاركة ضعيفة.
فبحسب ما تسرب من قيادات محلية للحزب، فإن السيناريو الذي تراهن عليه قيادة الحزب بالإقليم يقوم على ألا تتجاوز نسبة المشاركة 30 في المائة، باعتبار أن انخفاض عدد المصوتين قد يرفع الوزن النسبي للكتلة الانتخابية الثابتة التي يعتمد عليها الحزب.
وتتحدث التقديرات شبه الرسمية عن إمكانية حصول مرشح العدالة والتنمية على ما بين 6000 و7000 صوت.
وهنا تكمن المعادلة التي تفسر رهان الحزب: فإذا بقيت المشاركة منخفضة، فإن كتلة من 6 أو 7 آلاف صوت يمكن أن تصبح ذات وزن أكبر بكثير في عملية توزيع المقاعد، مقارنة بالسيناريو الذي ترتفع فيه المشاركة ويزداد عدد الأصوات الموزعة على مختلف المرشحين.
بمعنى آخر، لا يراهن العدالة والتنمية فقط على عدد الأصوات التي يستطيع مرشحه جمعها، بل على حجم الوعاء الانتخابي الذي ستُحتسب داخله تلك الأصوات.
المومني وفوطاط … معركة المركز الأول بالأرقام
في واجهة السباق، يبدو الصراع أكثر سخونة بين محمد المومني وحليم فوطاط .
المومني يدخل المنافسة باسم الأصالة والمعاصرة، وهو رئيس جماعة تزطوطين، بينما يخوض فوطاط السباق باسم التجمع الوطني للأحرار وهو رئيس جماعة بني أنصار. وتؤكد المعطيات الواردة من تقارير أن الرجلين من أبرز الأسماء التي تدور حولها المنافسة في دائرة الناظور.
لكن المفارقة أن خريطة الرجلين ليست متطابقة.
المومني … أرقام قوية في سلوان وتزطوطين والناظور
وفق التقديرات ، يعول محمد المومني على مجموعة من الخزانات الانتخابية التي يمكن أن تمنحه دفعة قوية في الحساب النهائي.
في تزطوطين، تتحدث المعطيات عن نتيجة استثنائية قد تقترب من 95 في المائة من الأصوات داخل قاعدة نفوذه المحلية.
وفي سلوان، يعول المومني على أكثر من 2500 صوت.
أما في الناظور، فتتحدث الحسابات والأرقام عن إمكانية حصوله على ما لا يقل عن 2500 صوت.
وفي أولاد ستوت وزايو، تضع بعض التقديرات مجموع ما يمكن أن يحصل عليه في حدود 1500 صوت.
وفي قرية أركمان، يعول على ما لا يقل عن 1000 صوت.
كما ينتظر أن يجمع أصواتا إضافية من بني سيدال لوطا وبني بويفرور وبوعرك وإيكسان ومناطق ترابية أخرى، قد يصل مجموعها، وفق الحسابات، إلى حوالي 1500 صوت.
لكن الطريق أمام المومني ليس خاليا من المطبات.
العروي وحاسي بركان وبني وكيل … مناطق الحساب الصعب للمومني
في المقابل، تواجه حملة المومني صعوبات في عدد من مناطق دائرة لوطا.
ففي العروي، تشير التقديرات إلى أن مرشح الاتحاد الدستوري عبد القادر أقوضاض قادر على الحصول على كتلة كبيرة من الأصوات، فيما لا يتوقع أن تكون حصة المومني هناك في مستوى النتائج التي يحققها في مناطق نفوذه الأساسية.
وفي حاسي بركان، تتحدث المعطيات عن إمكانية ذهاب أكثر من نصف الأصوات إلى أقوضاض، مقابل حصة للمومني تقدر في حدود 30 في المائة.
أما بني وكيل أولاد امحمد، فتشير التقديرات نفسها إلى حضور قوي للاتحاد الدستوري، فيما قد لا تتجاوز حصة المومني حوالي 25 في المائة وجماعة الزخانين في حدود 50 في المائة .
وفي أفسو، تبدو الصورة مختلفة، إذ تتحدث الحسابات المتداولة عن إمكانية حصول المومني على نحو 80 في المائة من الأصوات.
وهكذا، فإن معركة المومني لا تتوقف على منطقة واحدة، بل على قدرته على تعويض أي تراجع في جماعات دائرة لوطا بأرقام قوية في سلوان والناظور وأولاد ستوت وأركمان وتزطوطين.
فوطاط … من بني أنصار إلى بني شيكر
في الجهة المقابلة، يبني حليم فوطاط حساباته على شبكة واسعة من المناطق.
وتضع التقديرات بني أنصار في مقدمة الخزان الانتخابي الذي يعول عليه مرشح الأحرار، بحكم رئاسته للمجلس الجماعي، مع توقعات تتراوح بين 3000 و4000 صوت.
ثم تأتي بني شيكر بحوالي 2000 صوت، وفق الحسابات .
وتشير المعطيات نفسها إلى حوالي 3000 صوت من مجموعة بني سيدال الجبل وبني سيدال لوطا وإكسان وأزغنغان .
كما يعول فوطاط على حوالي 2000 صوت من الناظور وإحدادن، إضافة إلى كتلة أخرى من زايو وقرية أركمان وبوعرك والعروي قد تقارب 1500 صوت وفق التقديرات.
وبهذه الحسابات، يحاول فوطاط بناء كتلة انتخابية موزعة جغرافيا، حتى لا يبقى رهانه مرتبطا بجماعة واحدة.
السؤال الكبير: هل تنتقل أصوات توحتوح إلى فوطاط ؟
هنا تظهر واحدة من أهم عقد انتخابات الناظور.
فمحمادي توحتوح، الذي تصدر نتائج 2021 باسم التجمع الوطني للأحرار، يخوض هذه المرة الانتخابات من بوابة حزب الاستقلال بعد عدم تجديد تزكيته من طرف الأحرار. وتشير المعطيات إلى أن توحتوح كان قد تصدر نتائج 2021 بأكثر من 30 ألف صوت، وهو ما يجعل انتقال جزء من قاعدته الانتخابية أحد أهم الأسئلة التي ستحدد الخريطة الجديدة.
هل بقيت تلك الأصوات وفية لتوحتوح شخصيا؟
أم ستبقى مع حزب التجمع الوطني للأحرار؟
أم أن جزءا منها سيتوزع بين أكثر من مرشح؟
هذه الأسئلة قد تكون أهم من الفارق بين المومني وفوطات في بعض المناطق.
توحتوح يطارد المقعد الرابع
التقديرات حاليا تضع محمادي توحتوح ضمن دائرة المنافسة على المقعد الرابع، مع حديث عن إمكانية تجاوزه 7000 صوت.
ويعول توحتوح، وفق هذه الحسابات، على بوعرك وزايو والناظور وأركمان والعروي وسلوان ومناطق أخرى بالإقليم، بهدف بناء كتلة انتخابية تمكنه من استعادة موقعه داخل البرلمان.
لكن التحدي بالنسبة إليه واضح: فالرصيد الانتخابي الذي جمعه سنة 2021 كان تحت مظلة الأحرار، بينما يخوض اليوم المعركة باسم الاستقلال.
والانتخابات الحالية ستكون اختبارا مباشرا لمعرفة ما إذا كانت قوة توحتوح شخصية أم حزبية بالأساس.
محمد بودو يدخل على الخط
وفي الصف الثالث ، تبرز المنافسة بين محمد بودو عن الحركة الشعبية ومحمد أبركان عن الاتحاد الاشتراكي، إلى جانب توحتوح بشكل أقل .
وتشير التقديرات إلى أن محمد بودو يقاتل بقوة للدخول إلى المراتب الثلاث الأولى، بعدما أصبح اسمه حاضرا في الحسابات التي تتوقع منافسة على المقعد الثالث أو الرابع.
أما محمد أبركان، فيخوض المعركة مستفيدا من عنصر الاستمرارية، بعدما جدد الاتحاد الاشتراكي الثقة فيه. وتؤكد المعطيات المنشورة أن أبركان كان أحد الفائزين في انتخابات 2021، وهو من الأسماء التي بقيت حاضرة في الخريطة الحالية.
ويعول أبركان، وفق الحسابات ، على أصوات مدينة الناظور وبني شيكر وإعزانن وأزغنغان وأركمان وأولاد ستوت وبوعرك وسلوان .
أقوضاض … ورقة قد تقلب حسابات لوطا
عبد القادر أقوضاض، مرشح الاتحاد الدستوري، لا يظهر في كل الحسابات باعتباره منافسا على المركز الأول، لكنه قد يؤدي دورا بالغ الأهمية في إعادة توزيع الأصوات.
التقديرات التي تمنحه حضورا قويا في العروي وحاسي بركان وبني وكيل وأفسو، فإن أي ارتفاع في رصيده بهذه المناطق قد يقتطع آلاف الأصوات من مرشحين آخرين، وعلى رأسهم المومني.
وهنا تصبح المعركة الحسابية أكثر تعقيدا: المرشح لا يحتاج دائما إلى أن يكون الأول في جماعة ما حتى يؤثر في النتيجة النهائية؛ يكفي أحيانا أن يحصد كتلة انتخابية وازنة لتغيير ترتيب الآخرين.
أربعة مقاعد … وحسابات تتجاوز 30 ألف صوت
اللافت في هذه الانتخابات أن معركة المقاعد الأربعة لا تدور فقط بين أربعة أسماء.
فـ 17 مرشحا يتنافسون على أربعة مقاعد، بحسب المعطيات الرسمية، ما يعني أن توزيع الأصوات سيكون عاملا حاسما في تحديد من يعبر إلى البرلمان ومن يبقى خارج الحسابات.
المعركة الحقيقية تبدأ من نسبة المشاركة
وهنا يعود حزب العدالة والتنمية إلى واجهة الحسابات.
فإذا بقيت المشاركة في حدود 30 في المائة أو أقل، فإن الكتل الانتخابية المنظمة والثابتة يمكن أن تصبح أكثر تأثيرا في توزيع المقاعد.
أما إذا ارتفعت المشاركة بشكل ملحوظ، فإن الحسابات كلها يمكن أن تتغير، لأن آلاف الأصوات الجديدة قد تدخل المنافسة، وقد لا تتوزع بالضرورة على المرشحين وفق الخريطة التي تتوقعها الحملات حاليا.
وهذا ما يجعل نسبة المشاركة نفسها رقما انتخابيا مركزيا في معركة الناظور.
الناظور أمام ليلة حسابات ثقيلة
الخلاصة التي تفرض نفسها من خلال هذه المعطيات أن دائرة الناظور تعيش سباقا متعدد الطبقات: المومني وفوطات في مواجهة مباشرة على صدارة التقديرات المتداولة، أبركان وبودو في سباق آخر على المراتب المتقدمة، توحتوح يحاول تحويل رصيده السابق إلى ورقة جديدة باسم الاستقلال، وأقوضاض يمكن أن يؤثر بقوة في خريطة جماعات دائرة لوطا وبني أنصار وبني شيكر ، بينما تراهن العدالة والتنمية على كتلة تتراوح بين 6000 و7000 صوت وعلى سيناريو مشاركة منخفضة.
لكن كل هذه الأرقام تظل تقديرات انتخابية وليست نتائج رسمية أو استطلاعا معلنا. وما سيحسم في النهاية ليس مجموع ما تتوقعه الحملات، بل عدد الأصوات الصحيحة التي ستخرج من صناديق كل جماعة، وكيف ستتوزع على 19 مرشحا من أجل ملء أربعة مقاعد.
وبذلك، فإن السؤال في الناظور لم يعد فقط: من سيحتل المركز الأول؟
بل أصبح أكثر تعقيدا:
هل يستطيع المومني تحويل خزانات سلوان والناظور وتزطوطين إلى تفوق عام؟ وهل ينجح فوطاط في تعويض أصوات توحتوح السابقة؟ وهل يحتفظ توحتوح بكتلته بعد انتقاله إلى الاستقلال؟ وهل يستطيع أبركان وبودو وأقوضاض اختراق حسابات المرشحين المتقدمين؟ والأهم … هل يمنح ضعف المشاركة العدالة والتنمية فرصة لتحويل 6000 أو 7000 صوت إلى مقعد برلماني؟
هذه هي معركة الناظور الحقيقية … معركة الأرقام قبل أن تكون معركة الشعارات.
16/09/2026