kawalisrif@hotmail.com

“تورنادو” ترسو في مليلية المحتلة.. سفينة حربية تزيّن احتفالات الاحتلال بـ”استعراض عسكري”

“تورنادو” ترسو في مليلية المحتلة.. سفينة حربية تزيّن احتفالات الاحتلال بـ”استعراض عسكري”

يبدو أن سلطات الاحتلال المحلية في مليلية المحتلة وجدت طريقة مبتكرة لإضفاء “البهجة” على ما يسمى “يوم مليلية”: استدعاء سفينة حربية إسبانية بطول يقارب 94 مترا، وإرساؤها في ميناء المدينة، ثم فتح أبوابها أمام السكان، ليتحول حضور عسكري إلى ما يشبه جولة سياحية على متن قطعة بحرية يفترض أن مهمتها الأساسية ليست تنظيم الرحلات الترفيهية، بل “الأمن البحري والردع والدفاع الوطني”.

فحسب المعطيات التي نشرتها الجهات الإسبانية، وصلت سفينة العمل البحري “تورنادو” (P-44)، الأربعاء 16 شتنبر، إلى ميناء مليلية المحتلة، في إطار ما تسميه مدريد “الحضور البحري” بالمدينة، على أن يستمر توقفها ثلاثة أيام، بالتزامن مع احتفالات ما يسمى “يوم مليلية”.

واللافت أن السفينة، التي يبلغ طولها 93.90 مترا، ليست مجرد زورق نزهة كبير، بل قطعة تابعة للبحرية الإسبانية، صممت لمهام تشمل الأمن البحري وعمليات الردع والدفاع الوطني، ودعم الحضور الخارجي للدولة، والمساهمة في تدبير الأزمات.

لكن في مليلية المحتلة، يبدو أن هذه الوظائف العسكرية الثقيلة يمكن أن تأخذ استراحة قصيرة، إذ تقرر فتح أبواب “تورنادو” أمام العموم يومي 16 و17 شتنبر، من الثالثة والنصف بعد الزوال إلى السابعة مساء، حتى يتمكن المستوطنون من زيارة السفينة.

وهكذا، في مشهد يكاد يكون سرياليا، تتحول قطعة بحرية تابعة لقوة عسكرية مكلفة بالردع والدفاع إلى محطة ضمن برنامج احتفالي، وكأن الرسالة المطلوب تمريرها هي أن الوجود العسكري الإسباني في المدينة أمر عادي إلى درجة يمكن معها تنظيم جولة مفتوحة على متن سفينة حربية بمناسبة عيد محلي.

غير أن التفاصيل نفسها تقول شيئا آخر.

فسفينة “تورنادو” تنتمي إلى قوة العمل البحري التابعة للأسطول الإسباني، وهي قوة تقول الوثائق الرسمية إنها مكلفة بحماية المصالح البحرية الوطنية ومراقبة المجالات البحرية ذات السيادة والمصالح الوطنية. كما يمكن تعزيز طاقم السفينة، الذي يضم حاليا 62 شخصا، بعناصر من وحدات جوية أو بحرية خاصة، وفرق حماية مشاة البحرية، وأفراد طبيين وهيئات أركان خلال عمليات الانتشار.

أي أننا أمام قطعة عسكرية مجهزة لمهام أمنية ودفاعية، لا أمام سفينة سياحية وصلت إلى مليلية المحتلة لتوزيع الحلوى على المحتفلين.

والأكثر إثارة للسخرية أن البيان الإسباني يكرر تعبير “الحضور البحري” وكأنه توصيف تقني محايد لا يحمل أي دلالة. غير أن اختيار مليلية المحتلة تحديدا، وتزامن وصول السفينة مع ما يسمى “يوم مليلية”، يجعلان السؤال مشروعا: هل نحن أمام مناسبة احتفالية مدنية، أم أمام استعراض رمزي للسيادة الإسبانية في مدينة يظل وضعها محل رفض مغربي؟

وإذا كانت سلطات الاحتلال المحلية تريد إقناع سكان مليلية المحتلة بأن كل شيء طبيعي، فإن استعراض القطع البحرية ليس بالضرورة أكثر الطرق إقناعا بذلك. فالمدن التي تشعر بالطمأنينة إلى وضعها لا تحتاج، في العادة، إلى تذكير متكرر بوجود القوة العسكرية في موانئها.

أما الأكثر دلالة، فهو أن السفينة قادمة من قيادة وحدات قوة العمل البحري في جزر الكناري، وتتخذ من ترسانة لاس بالماس دي غران كناريا قاعدة لها، قبل أن تجد نفسها في مليلية المحتلة للمشاركة في احتفالات يفترض أنها ذات طابع مدني.

وبين “الاحتفال” و”الردع”، وبين فتح أبواب السفينة أمام الزوار والحديث عن الدفاع الوطني، تبدو المفارقة صارخة: مليلية المحتلة تحتفل بـ”يومها” على الطريقة الإسبانية، حيث لا يكتمل المشهد إلا بقطعة من البحرية الملكية الإسبانية ترسو في الميناء لتمنح المناسبة جرعة إضافية من الرمزية العسكرية.

وربما كان الأجدر تسمية الأشياء بأسمائها: ليس مجرد “حضور بحري”، بل حضور عسكري في مدينة محتلة، جرى تغليفه هذه المرة بأجواء احتفالية وفتح أبواب السفينة للزوار.

وفي نهاية المطاف، ستغادر “تورنادو” الميناء كما جاءت، وستنتهي الزيارات وتنطفئ أضواء الاحتفال، لكن ذلك لن يغير شيئا في السؤال الذي تحاول كل هذه الطقوس تأجيله: ماذا يمكن لسفينة حربية أن تضيف إلى رواية سياسية لا يحسمها طول السفينة ولا عدد أفراد طاقمها؟

يمكن للمدافع أن تحرس الميناء، ويمكن للسفن أن تستعرض أعلامها، ويمكن للبيانات أن تكرر عبارة “الحضور البحري” مئات المرات، لكن لا قطعة بحرية، مهما بلغ حجمها، تستطيع أن تحول واقعا تاريخيا محل نزاع إلى حقيقة سياسية مكتملة.

فالسفينة قد ترسو في الميناء، لكنها لا ترسو فوق التاريخ. وقد ترفع البحرية الإسبانية علمها، لكنها لا تستطيع أن تجعل القوة العسكرية بديلا عن الشرعية، ولا أن تحول احتفالا محليا إلى خاتمة لقضية ما زالت مفتوحة.

وهنا تكمن المفارقة التي قد تكون أشد إيلاما من كل ما سبقه: حين تحتاج “مناسبة احتفالية” إلى سفينة حربية كي تبدو مكتملة، فإن السؤال لا يعود عن قوة السفينة، بل عن قوة الرواية التي جاءت السفينة لتزيينها.

16/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts