في تطور بحري لافت يحمل أكثر من دلالة، سجل ميناء الناظور غرب المتوسط وصول سفينة الشحن “إم إس سي سيدار 2” قادمة مباشرة من ميناء الجزائر العاصمة، في رحلة تتزامن مع دخول المحطة الشرقية للميناء المغربي مرحلة جديدة، عقب استكمال الاختبارات التشغيلية والاستعداد الفعلي لاستقبال الرحلات التجارية.
وتفيد بيانات تتبع الملاحة بأن السفينة وصلت إلى الناظور غرب المتوسط يوم 15 شتنبر 2026 عند الساعة 07:54 بالتوقيت العالمي، بعدما غادرت ميناء الجزائر العاصمة يوم 13 شتنبر عند الساعة 15:34، وكانت وجهتها المسجلة ميناء الناظور غرب المتوسط.
والمثير في هذه الرحلة ليس فقط الميناء الذي انطلقت منه السفينة، وإنما توقيتها أيضا، إذ جاءت بعد أيام قليلة من إعلان شركة ويست ميد كونتينر تيرمينال، المشرفة على المحطة الشرقية، استكمال الاختبارات التشغيلية بنجاح والاستعداد لاستقبال أولى الرحلات التجارية.
وبذلك، تبدو رحلة “إم إس سي سيدار 2” وكأنها تأتي في لحظة انتقال ميناء الناظور غرب المتوسط من مرحلة الاختبارات والتجارب إلى مرحلة الحركة البحرية الفعلية، وهو ما يمنح وصول السفينة أهمية خاصة في بداية المسار التجاري لهذا المشروع المغربي العملاق.
وتكشف المعطيات التقنية أن السفينة ليست، بالتصنيف البحري الدقيق، ناقلة حاويات عملاقة، وإنما تصنف كسفينة شحن عام. وتحمل الرقم الدولي 9231092 ورقم التعريف البحري 636025342، ويبلغ طولها نحو 193 مترا وعرضها حوالي 28 مترا، وقد بنيت سنة 2001، فيما تبحر تحت علم ليبيريا.
وهذه النقطة مهمة في القراءة الصحفية للخبر، إذ إن وصف السفينة بأنها “سويسرية” سيكون غير دقيق إذا كان المقصود علمها، فالمعطيات البحرية تشير إلى أنها تبحر تحت علم ليبيريا، بينما يرتبط اسمها بمجموعة إم إس سي ضمن الشبكة التجارية والتشغيلية التي تنشط في إطارها.
لكن المفاجأة الأبرز تبقى في مسار الرحلة نفسه.. فالسفينة لم تصل إلى الناظور غرب المتوسط قادمة من أحد الموانئ الأوروبية التقليدية أو من مركز متوسطي لإعادة الشحن، وإنما يظهر في سجل رحلتها الأخير ميناء الجزائر العاصمة، قبل أن تتجه مباشرة نحو الميناء المغربي الجديد.
وهنا تحديدا تظهر المفارقة التي تمنح الرحلة طابعا أكثر إثارة، خصوصا أن الجزائر كانت قد اتخذت، في يناير 2024، إجراءات وقيودا أثارت جدلا بشأن بعض عمليات العبور وإعادة الشحن المرتبطة بالموانئ المغربية، قبل أن تتضارب لاحقا التفسيرات والتقارير بشأن نطاق تلك الإجراءات واستمرارها.
ومع ذلك، فإن المعالجة الصحفية الدقيقة تقتضي عدم القفز إلى استنتاجات غير مثبتة، إذ إن وصول السفينة من الجزائر إلى الناظور لا يعني تلقائيا أن بضائع جزائرية جرى إعادة شحنها عبر ميناء مغربي. فبيانات نظام التعرف الآلي للسفن تكشف مسار السفينة وموانئها، لكنها لا تكشف وحدها هوية مالك الحمولة أو طبيعة البضائع التي تحملها، ولا تثبت ما إذا كانت السفينة قامت بتحميل أو تفريغ شحنة في الناظور.
لكن الثابت، في المقابل، أن “إم إس سي سيدار 2” وصلت فعلا إلى الناظور غرب المتوسط قادمة من الجزائر العاصمة، وأن هذا الوصول تزامن مع مرحلة بالغة الحساسية في تاريخ الميناء المغربي، الذي لم يمض سوى أيام على الإعلان عن جاهزيته لاستقبال الرحلات التجارية.
وكانت المحطة الشرقية قد استقبلت في وقت سابق سفينة “إم إس سي نيتا” في إطار اختبار تشغيلي حي، جرى خلاله اختبار المعدات والأنظمة وعمليات التشغيل في ظروف حقيقية. وبعد نجاح هذه الاختبارات، أعلنت شركة ويست ميد كونتينر تيرمينال أن المحطة أصبحت جاهزة للانتقال إلى النشاط التجاري.
واللافت أن هذه المحطة ليست منشأة معزولة عن شبكة إم إس سي، إذ تجمع شركة ويست ميد كونتينر تيرمينال بين شركة مرسى المغرب وذراع المحطات التابعة لمجموعة إم إس سي، وهي شركة ترمينال إنفستمنت ليميتد، حيث تملك مرسى المغرب 50 في المائة زائد سهم، مقابل 50 في المائة ناقص سهم للشريك الآخر.
وتراهن المحطة على أرقام ضخمة، إذ يمتد رصيفها لنحو 1,520 مترا، بعمق يصل إلى 18 مترا، فيما تبلغ مساحة ساحات الحاويات حوالي 70 هكتارا، وتصل الطاقة التصميمية النهائية إلى نحو 3.4 ملايين حاوية نمطية سنويا.
وهكذا، فإن ظهور سفينة أخرى مرتبطة بشبكة إم إس سي في الناظور، بعد “إم إس سي نيتا”، يعكس التطور المتسارع الذي تعرفه المحطة الشرقية، التي انتقلت في ظرف وجيز من اختبار المعدات والأنظمة إلى تسجيل حركة بحرية فعلية.
لكن المفارقة الأكثر إثارة تبقى في المسار نفسه.. سفينة مرتبطة بشبكة “إم إس سي” تغادر الجزائر العاصمة، وتتجه نحو الناظور غرب المتوسط، لتصل إلى ميناء مغربي لم يمض سوى أيام على إعلان جاهزيته لاستقبال الرحلات التجارية.
وبغض النظر عن طبيعة الحمولة والعملية التجارية التي تقف وراء هذه الرحلة، فإن حركة السفن تمنح مؤشرا واضحا على أن الناظور غرب المتوسط لم يعد مجرد مشروع ضخم على الورق، بل بدأ يظهر فعليا على خرائط الملاحة الدولية، وتتحول أرصفته إلى نقاط وصول لسفن مرتبطة بشبكات الشحن العالمية.
أما وصول “إم إس سي سيدار 2” من الجزائر بالذات، فيمنح هذا التحول البحري عنوانا أكثر إثارة، خصوصا في ظل التنافس المتصاعد على الموانئ والممرات التجارية في غرب المتوسط.
وبينما تحاول الجزائر الحفاظ على موقعها داخل معادلات المتوسط، يبرز الناظور غرب المتوسط كواقع بحري جديد للمملكة المغربية، بعدما بدأ ينتقل من مشروع استراتيجي ضخم إلى منشأة تستقبل السفن فعليا وتدخل تدريجيا في حركة الملاحة الدولية.
والرسالة الأبرز من هذه الرحلة ليست بالضرورة في الحمولة، التي لا تكشفها بيانات الملاحة وحدها، وإنما في المسار نفسه.. سفينة تغادر الجزائر العاصمة، وتصل إلى الناظور غرب المتوسط، في وقت يتحول فيه الميناء المغربي الجديد، خطوة بعد أخرى، من مشروع استراتيجي على الخرائط إلى لاعب حاضر في البحر المتوسط.
