في قلب مقر الأمم المتحدة بنيويورك، برز اسم المغرب مجدداً في واجهة الجهود الدولية الرامية إلى مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات، من خلال مؤتمر عالمي رفيع المستوى جمع مسؤولين حكوميين وقادة دينيين وأكاديميين وممثلين عن المجتمع المدني ومختلف المكونات الدينية.
ونظم المؤتمر العالمي حول تعزيز الحوار والتسامح بين الأديان والثقافات في مواجهة خطاب الكراهية، مكتب الأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية والمسؤولية عن الحماية وتحالف الأمم المتحدة للحضارات، بشراكة مع المملكة المغربية، في مبادرة تعكس الانخراط المغربي في النقاش الدولي حول مواجهة مظاهر التعصب والتمييز والكراهية.
وتأتي هذه المبادرة في سياق دولي تتزايد فيه المخاوف من سرعة انتشار خطاب الكراهية، خصوصاً مع التحول الرقمي المتسارع، وتنامي قدرة المنصات الرقمية والخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي على تضخيم الرسائل والمضامين خلال وقت قياسي.
وأكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، خلال المؤتمر، أن مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح والحوار تظل جزءاً أساسياً من الجهود الرامية إلى بناء مجتمعات أكثر تماسكاً وسلاماً، محذراً من أن الكراهية تتخذ أشكالاً متعددة، من بينها العنصرية وكراهية النساء وكراهية الأجانب ومعاداة السامية وكراهية المسلمين والتمييز ضد الأقليات الدينية والعرقية.
وحذر غوتيريش من أن خطاب الكراهية يجد “مسارات جديدة” ويستفيد من التقنيات الحديثة، بدءاً من المنصات الرقمية والخوارزميات وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن أسوأ أشكال هذا الخطاب يمكن أن تحرض على العنف وتغذي الصراعات وتساهم في ارتكاب جرائم خطيرة، بما فيها الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتطهير العرقي.
ودعا الأمين العام للأمم المتحدة مختلف الأطراف إلى رفع صوتها بشكل جماعي ضد الكراهية، والعمل على مواجهتها في الفضاء الرقمي وخارجه، من خلال معالجة أسبابها الجذرية والعوامل التي تغذيها، وتعزيز الحوار بين الأمم والثقافات والأديان.
وكان الحضور المغربي لافتاً في هذا المؤتمر من خلال مشاركة وزير الخارجية ناصر بوريطة، الذي أكد أن مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح بين الأديان والثقافات يتطلبان عملاً متواصلاً وسياسات قائمة على الإنصاف والمشاركة وتكافؤ الفرص، مشدداً على أن صون الكرامة الإنسانية يشكل أساساً للأمن والاستقرار.
وأوضح بوريطة أن المبادرة المغربية لعقد هذا المؤتمر تأتي تجسيداً لروح الرسالة الملكية التي وجهها الملك محمد السادس إلى المشاركين في الدورة التاسعة للمنتدى العالمي لتحالف الحضارات، التي احتضنتها مدينة فاس في نونبر 2022، والتي شددت على أهمية مخاطبة السلام بكل اللغات والتعبيرات.
واستحضر الوزير المغربي أمثلة ملموسة لأشكال التمييز التي يتعرض لها أفراد بسبب دينهم أو لون بشرتهم أو أصولهم، مشيراً إلى حالات تشمل إجبار مسلمة على خلع حجابها تحت التهديد، أو اضطرار يهودي إلى نزع قلنسوته خوفاً من الاعتداء، أو استهداف لاعب رياضي بسبب لون بشرته، أو إخفاء مهاجر لاسمه تفادياً للتمييز.
وأكد بوريطة أن التسامح ينبغي ألا يظل مجرد شعار أو قيمة نظرية، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة يومية في المدرسة والشارع والملاعب والمطارات والفضاء الرقمي، مشدداً على أن مواجهة الكراهية تتطلب “شجاعة في الخطاب، وعدلاً في السياسات، وعملاً متواصلاً” لمعالجة أسباب التهميش واستعادة الثقة بين الإنسان ومجتمعه ومؤسساته.
من جانبه، دعا ميغيل أنخيل موراتينوس، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والممثل السامي لتحالف الأمم المتحدة للحضارات، إلى تعزيز التعاون بين المجتمعات الدينية والمؤسسات لمواجهة الكراهية والاستقطاب والتمييز.
ورحب موراتينوس بمشاركة ممثلين عن المجتمعات اليهودية والمسيحية والمسلمة والهندوسية، معتبراً أن هذا الحضور المتنوع يبعث برسالة قوية مفادها أن بإمكان أتباع مختلف الديانات العمل معاً دفاعاً عن الكرامة الإنسانية والاحترام المتبادل.
وبصفته المبعوث الخاص للأمم المتحدة لمكافحة الإسلاموفوبيا، أكد موراتينوس أهمية التواصل مع المجتمعات المسلمة والتعاون من أجل التصدي للإسلاموفوبيا والتحيز والتمييز المناهض للمسلمين، معلناً أن العمل جار لوضع اللمسات الأخيرة على خطة عمل للأمم المتحدة لمكافحة الإسلاموفوبيا.
كما سلط المسؤول الأممي الضوء على المخاوف المرتبطة بتزايد حوادث معاداة السامية والصور النمطية ونظريات المؤامرة، مشيراً إلى خطة عمل أممية أطلقت سنة 2025 لتعزيز رصد معاداة السامية والاستجابة لها.
وفي السياق ذاته، حذر شالوكا بياني، المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية، من الانتشار المتسارع لخطاب الكراهية، مدفوعاً بالتطور السريع للتكنولوجيا، مشيراً إلى أن إساءة استخدام هذه التقنيات قد تتسبب في أضرار بالغة للكرامة الإنسانية.
واستحضر بياني تجارب تاريخية، من محرقة اليهود إلى الإبادة الجماعية التي وقعت في رواندا سنة 1994 والإبادة الجماعية في سريبرينتسا سنة 1995، محذراً من استمرار التحريض على الكراهية في خضم النزاعات.
أما رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة خليل الرحمن، فأشاد بدور المغرب في الدفع نحو اعتماد قرارات للجمعية العامة أقرت بأن الحوار بين الأديان والثقافات يمثل أداة رئيسية لمواجهة خطاب الكراهية وتعزيز التماسك الاجتماعي والسلام والتنمية.
وأكد خليل الرحمن أن خطاب الكراهية يتجاوز مجرد كونه خطاباً مسيئاً، إذ يمكن أن يتحول إلى اعتداء على الكرامة الإنسانية والمساواة والقيم التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة، محذراً من أن الانتشار المتسارع للسرديات القائمة على الكراهية، خصوصاً عبر التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، قد يساهم في تضخيم المعلومات الكاذبة والتأثير في النقاش العام.
وشدد المشاركون في المؤتمر على أهمية الاستثمار في التعليم ومحو الأمية الإعلامية والمعلوماتية وتمكين الشباب ودعم المجتمعات المحلية، إلى جانب تعزيز التعاون بين الحكومات وشركات التكنولوجيا ووسائل الإعلام والمربين والمجتمع المدني والمنظمات الدينية.
ويأتي هذا التحرك الأممي المغربي في وقت بات فيه خطاب الكراهية يتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية، مستفيداً من سرعة انتشار المحتوى الرقمي وقدرة التقنيات الحديثة على الوصول إلى ملايين الأشخاص في وقت قصير، ما يجعل مواجهة هذه الظاهرة مسؤولية جماعية تتطلب الحوار والتعاون والوقاية، بدل ترك المجال أمام الكراهية لتتحول إلى وقود للتمييز والعنف والانقسام.
18/09/2026