kawalisrif@hotmail.com

الناظور :  عهد مكة يعود من تحت الرماد في الانتخابات .. أبركان يفتح النار الرحموني ويضع “الحمامة” و”الوردة” في المواجهة

الناظور : عهد مكة يعود من تحت الرماد في الانتخابات .. أبركان يفتح النار الرحموني ويضع “الحمامة” و”الوردة” في المواجهة

في الناظور، يبدو أن الانتخابات التشريعية قررت هذه المرة ألا تكتفي بصناديق الاقتراع والبرامج والوعود، بل فتحت أيضاً أرشيف التحالفات والعهود والولاءات السياسية. وبينما يستعد محمد أبركان لخوض محطة انتخابية جديدة بعد مسار طويل داخل المشهد البرلماني، وجد سعيد الرحموني نفسه في قلب رواية سياسية تضع انتماءه الحزبي المعلن أمام شبكة من التحالفات التي يتحدث عنها خصومه وحلفاؤه على حد سواء. وهكذا، تحولت المعركة الانتخابية من مجرد سباق نحو البرلمان إلى ما يشبه امتحاناً علنياً للذاكرة السياسية.

الرحموني كان قد خرج قبل نحو 48 ساعة ليؤكد أنه ما يزال منتمياً إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، نافياً ما راج حول مغادرته الحزب، ومشدداً على استمرار ارتباطه بهياكله ومؤسساته. الرسالة كانت واضحة: “الحمامة” ما تزال في مكانها. لكن المفاجأة أن أبركان، خلال لقاء جماهيري، قدم رواية أخرى عن طبيعة الاشتغال السياسي المشترك، متحدثاً عن عمله مع الرحموني جنباً إلى جنب لمساندة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وهنا تبدأ الحكاية التي تجعل المتابع يتساءل: هل نحن أمام حمامة اتحادية بترتيبات خاصة، أم أن السياسة في الناظور اخترعت أخيراً نظاماً جديداً للانتماء؟

المفارقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح، فالمشهد يبدو كأنه مباراة سياسية بقميصين في الوقت نفسه. الرحموني يقول إن قميصه الحزبي هو قميص “الحمامة”، بينما يتحدث أبركان عن تعاون انتخابي في اتجاه “الوردة”. وبين التصريحين، يجد المتابع نفسه أمام معادلة سياسية تصلح لأن تكون درساً تطبيقياً في الفرق بين الانتماء الحزبي والتحالف الانتخابي. ففي السياسة، كما يبدو من هذه الرواية، يمكن للقميص أن يبقى ثابتاً، بينما يتحرك اللاعب في اتجاه آخر، وهو ما يجعل الجمهور في حاجة إلى دفتر ملاحظات لا إلى ورقة اقتراع فقط.

وكانت معطيات نشرتها “كواليس الريف” خلال الأشهر الماضية قد تحدثت عن تقارب انتخابي بين أبركان والرحموني، وعن دعم رئيس المجلس الإقليمي لترشح أبركان باسم الاتحاد الاشتراكي، مقابل ترتيبات مرتبطة بتزكية ابنته سناء جهوياً، في وقت يؤكد فيه الرحموني استمرار انتمائه الرسمي إلى التجمع الوطني للأحرار. وبذلك يصبح المشهد أشبه بمعادلة سياسية بثلاثة أطراف: حزب معلن، وتحالف انتخابي متداول، وحسابات محلية تبحث عن مكانها بين الاثنين.

لكن أبركان لم يترك الكواليس تتكلم وحدها، بل تحدث عن شروط قال إنه وضعها أمام الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، من بينها تمكينه من اللائحة الجهوية لوضع اسم من الإقليم، وإلا فإنه سيبحث عن حزب آخر. وهنا تبدو السياسة أكثر صراحة من بيانات الأحزاب أحياناً: اللائحة، والاسم، والموقع، كلها أوراق مطروحة على الطاولة. أما الشعارات، فتأتي لاحقاً لتغليف الصفقة السياسية بلغة أكثر أناقة.

ثم جاءت عبارة “تمزيق السروال”، التي استعاد بها أبركان مسيرته الطويلة داخل المؤسسة التشريعية، في إشارة ساخرة إلى ما وصفه بتأثير نحو ثلاثة عقود من الجلوس على كرسي البرلمان. ضحك الحاضرون، لكن الرسالة السياسية كانت واضحة: أبركان يريد أن يقول إنه ليس اسماً ظهر مع اقتراب موعد الانتخابات، بل رجل راكم تجارب انتخابية وبرلمانية طويلة. وبينما كان السروال يتلقى نصيبه من السخرية، كانت الرسالة الأهم تتجه إلى خصومه: الذاكرة الانتخابية في الناظور ليست قصيرة كما قد يتمنى البعض.

أما في الجهة المقابلة، فإن الرحموني يجد نفسه، وفق هذه الروايات والتصريحات، أمام سؤال سياسي لا يمكن حله بتدوينة واحدة: إذا كان الانتماء إلى “الحمامة” ثابتاً، فما طبيعة العلاقة السياسية التي تحدث عنها أبركان مع “الوردة”؟ وإذا كانت التحالفات الانتخابية منفصلة تماماً عن الانتماءات الحزبية، فلماذا تبدو الحدود بينهما بهذا القدر من الضبابية؟ إنها أسئلة لا تحتاج إلى حملة انتخابية إضافية، لأن تصريحات أصحابها تكفلت بإشعالها.

وفي ملف سناء الرحموني، ابنة سعيد الرحموني، تزداد الصورة تعقيداً، بعدما أصبحت وكيلة للائحة الجهوية النسوية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بجهة الشرق، وفق المعطيات المتداولة. والدها يؤكد انتماءه إلى “الحمامة”، فيما تخوض ابنته الاستحقاق من بوابة “الوردة”. وهنا مرة أخرى يجد المتابع نفسه أمام مشهد عائلي وسياسي تتقاطع فيه الألوان الحزبية، حتى يبدو السؤال مشروعاً: هل نحن أمام اختلاف سياسي داخل الأسرة، أم أمام توزيع للأدوار الانتخابية؟ الجواب، بطبيعة الحال، يبقى لأصحاب العلاقة.

أما “عهد مكة”، فقد أعاد أبركان إخراجه من أرشيف الذاكرة السياسية ووضعه وسط المعركة الانتخابية. وبحسب روايته، تلقى سابقاً تحذيرات من أشخاص في محيطه بشأن وعود انتخابية لم تكن دائماً محل ثقة، قبل أن يستعيد قصة عهد جمعه بالرحموني في الديار المقدسة واتفاقاً سابقاً حول المساندة السياسية، قبل أن تتغير الحسابات وتتبدل المواقف. وهنا لم تعد الحكاية مجرد خلاف سياسي عابر، بل أصبحت جزءاً من ذاكرة انتخابية يبدو أن أبركان قرر فتحها في الوقت الذي بدأت فيه حرارة الانتخابات بالارتفاع.

وبنبرة ساخرة، قال أبركان إنه عفا عن الرحموني وأسقط وفسخ “عهد مكة”، قبل أن يروي أن الرجلين التقيا لاحقاً في مكة والمدينة المنورة خلال مناسك العمرة، لتُفتح صفحة جديدة من التفاهم. وهكذا، وفق الرواية التي قدمها أبركان، يصبح العهد السياسي شبيهاً بصفحة يمكن طيها ثم إعادة فتحها عندما تتغير الظروف. وربما هنا تكمن أكثر المفارقات إثارة في القصة كلها: عهد يُفسخ، ثم لقاء يعيده إلى الواجهة، ثم انتخابات تعيد فتح الدفتر من جديد.

وبهذا المعنى، لم يعد “عهد مكة” مجرد ذكرى في حديث أبركان، بل تحول إلى عنوان ساخر لمرحلة سياسية كاملة: عهد، ثم قطيعة، ثم عفو، ثم عودة، ثم تحالف جديد. وإذا كانت السياسة تقوم على المصالح المتغيرة والتحالفات المرنة، فإن هذه الرواية تقدم نسخة محلية شديدة الوضوح من تلك القاعدة. أما الناخب، فيبقى مطالباً بتمييز ما هو انتماء حزبي ثابت عما هو تفاهم انتخابي مؤقت، وما هو وعد سياسي عما أصبح مجرد فصل من أرشيف الانتخابات.

وفي كل هذه التفاصيل، يظهر أبركان بوصفه صاحب تجربة طويلة في الانتخابات والبرلمان، ولذلك فإن حضوره في هذه المعركة لا يمكن فصله عن تراكم محطات سابقة. لكنه، في الوقت نفسه، يواجه واقعاً انتخابياً لا يحسمه تاريخ سياسي ولا تصريحات ساخرة ولا عهود قديمة، وإنما أصوات الناخبين. وهذه النقطة تحديداً تجعل كل ما يقال قبل يوم الاقتراع مجرد روايات وحسابات قابلة للاختبار أمام الصندوق.

أما الرحموني، فتضعه هذه الوقائع والتصريحات المتقاطعة أمام مشهد سياسي شديد التعقيد: انتماء معلن إلى التجمع الوطني للأحرار، وحديث أبركان عن تعاون انتخابي مع الاتحاد الاشتراكي، وابنة تخوض الانتخابات من بوابة “الوردة”. وبين هذه الألوان الثلاثة، لا يبدو المشهد بحاجة إلى مزيد من التجميل. فكلما حاولت السياسة أن ترتب الصورة في إطار أنيق، جاءت تصريحات جديدة لتعيد خلط الألوان من جديد.

وهكذا، تتحول انتخابات الناظور إلى مسرح مفتوح: “الحمامة” حاضرة، و”الوردة” حاضرة، و”عهد مكة” عاد من الأرشيف، وأبركان يتحدث عن ثلاثة عقود تركت أثرها حتى في “سرواله”، فيما يواصل الرحموني التشبث، وفق تصريحه، بانتمائه الحزبي. وبين هذا كله يبقى السؤال الأكثر بساطة والأكثر قسوة في الوقت نفسه: عندما ينتهي الكلام، وتختفي المنصات، وتُغلق أبواب الكواليس، وتدخل الأوراق الصناديق، أي رواية ستبقى واقفة على قدميها؟

18/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts