kawalisrif@hotmail.com

من زنزانة برشلونة إلى قصر المرادية … عيسيو يربك حسابات الجزائر ويفتح باب 2029

من زنزانة برشلونة إلى قصر المرادية … عيسيو يربك حسابات الجزائر ويفتح باب 2029

يبدو أن الجزائر وجدت نفسها أمام مفاجأة لم تكن في حساباتها: رجل الأعمال والمعارض الجزائري أيوب عيسيو، الذي كانت سلطات بلاده تطالب بتسليمه، خرج من السجن الإسباني حراً، ليعود إلى الواجهة من بوابة مدريد، لا من زنزانة جزائرية كما كانت تأمل السلطات في الجزائر.

وفي حوار حصري مع صحيفة “ذا أوبجيكتيف” الإسبانية، خرج عيسيو عن صمته بعد الإفراج عنه، محذراً من أن قضيته قد تتحول إلى شرارة أزمة جديدة بين مدريد والجزائر، في وقت يبدو فيه أن ملفه لم يعد مجرد قضية تسليم قضائي، بل أصبح اختباراً جديداً لطريقة تعامل النظام الجزائري مع خصومه في الخارج.

عيسيو، الذي تصفه الصحيفة بأنه من أكثر الشخصيات التي يلاحقها نظام الرئيس عبد المجيد تبون، اعتبر أن الإفراج عنه جعل تداعيات القضية “غير متوقعة”، بل ذهب إلى القول إن النظام الجزائري “فقد كل أوراقه” بعدما تبين أن إسبانيا لم تُبق عليه خلف القضبان.

وهنا تبدأ المفارقة الجزائرية الجديدة: رجل مطلوب لدى السلطات الجزائرية يخرج من السجن الإسباني، ثم يظهر إعلامياً ليحذر من تداعيات القضية على العلاقات بين مدريد والجزائر، بينما تواصل الجزائر الضغط من أجل تسليمه. وكأن الملف الذي أرادت الجزائر أن يبقى في خانة المطاردة القضائية، قرر فجأة أن يصبح قضية سياسية ودبلوماسية عابرة للحدود.

وبحسب رواية عيسيو، فإن القضية لم تعد مجرد ملف قضائي، إذ يرى أن ما يحدث “دليل على أنها ليست قضية قانونية، بل قضية سياسية”.

وكانت السلطات الإسبانية قد أوقفت عيسيو يوم 25 يوليوز الماضي في مطار برشلونة، لدى عودته من المغرب، بناء على طلب من الجزائر. وبعد فترة من الحبس الاحتياطي، أفرجت عنه المحكمة الوطنية الإسبانية بناء على طلب النيابة العامة، فيما لا يزال القضاء الإسباني مطالباً بالبت في طلب التسليم الجزائري.

لكن خروج عيسيو من السجن قلب المشهد رأساً على عقب. فبدلاً من أن ينتهي الملف بتسليمه إلى الجزائر، أصبح المعارض الجزائري يتحدث من الأراضي الإسبانية عن مخاوفه من رد فعل النظام الجزائري، وعن احتمال انعكاس القضية على العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين البلدين.

ويعتقد عيسيو أن الجزائر لا تتوفر على سياسة خارجية مستقرة، معتبراً أن رد فعل السلطات الجزائرية أصبح “غير متوقع”. وهي عبارة تكشف، في روايته، حجم القلق الذي بات يحيط بالملف، خصوصاً بعدما خرج من نطاق المحاكم ليدخل مباشرة إلى الحسابات السياسية.

وبحسب عيسيو، فإن الرئيس عبد المجيد تبون ومحيطه حركوا وسائل الإعلام و”آلة الدولة” لمحاولة تشويه صورته بعد الإفراج عنه، معتبراً أن السلطات الجزائرية اعتبرت إطلاق سراحه “فشلاً”، وأن قضيته تحولت إلى قضية سياسية من الدرجة الأولى داخل الجزائر.

واللافت، وفق روايته، أن الملف وصل إلى البرلمان الجزائري، حيث قال إن قضيته كانت ثاني موضوع تمت مناقشته مباشرة بعد الحرائق التي شهدتها البلاد. وهكذا تتحول قصة رجل أعمال ومعارض إلى ملف يتجاوز المحاكم ويدخل إلى قلب المؤسسات السياسية والإعلامية الجزائرية.

عيسيو يملك تفسيره الخاص: لأنه، حسب روايته، لم يعد مجرد رجل أعمال سابق أو معارض يعيش خارج الجزائر، بل شخصية يمكن أن تشكل مصدر إزعاج سياسي للسلطة، خصوصاً مع اقتراب استحقاق 2029.

ويرفض عيسيو بشدة وصف “الهارب” الذي تنسبه إليه السلطات الجزائرية، مؤكداً أنه تنقل خلال السنوات الماضية بين بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا والسويد وإسبانيا ودول أوروبية أخرى، دون أن يعيش مختبئاً أو يتوارى عن الأنظار.

ويؤكد أنه يثق في القضاء الإسباني، ويطالب بأن يبقى ملف التسليم داخل المؤسسات القضائية بعيداً عن أي ضغوط سياسية، مشدداً على أن “القضاء الإسباني صارم ولا يتأثر بأحد”، ومشيداً بالمعاملة التي تلقاها خلال فترة سجنه في إسبانيا.

في المقابل، يقول عيسيو إن عائلته تعرضت، حسب روايته، لمتابعات ومراقبة في إسبانيا قبل توقيفه، مشيراً إلى سيارات قال دفاعه إنها كانت تحمل لوحات تسجيل قنصلية جزائرية. وهي اتهامات تظل، في غياب نتائج تحقيقات نهائية منشورة، ضمن رواية عيسيو ودفاعه.

الإفراج عن عيسيو لم يضع حداً لمخاوفه، بل يبدو أنه زادها. فالمعارض الجزائري يقول إنه يخشى على حياته وعلى سلامة أسرته، ويعتزم طلب الحماية في إسبانيا، مستنداً إلى ما يقول إنه وقائع سابقة طالت معارضين جزائريين في فرنسا.

وتشير الصحيفة الإسبانية إلى أن السلطات الفرنسية تحقق بالفعل في قضايا مرتبطة باستهداف معارضين جزائريين، من بينها قضية أمير بوخرص، المعروف باسم “أمير دي زاد”، وقضية المعارض هشام عبود.

كما يقول عيسيو إن الصراع لم يتوقف عند حدود شخصه، مشيراً إلى أن صهره، السيناتور السابق بشير ولد زميرلي، لا يزال معتقلاً في الجزائر ويقضي حكماً بالسجن لمدة سبع سنوات، وفق اللجنة الدولية التي تدعم رجل الأعمال.

وقبل أن يتحول إلى معارض مطارد، يقول عيسيو إنه كان يدير مجموعة اقتصادية كبيرة في الجزائر تضم نحو 3000 موظف، وتنشط في مجالات متعددة، بينها الصناعات الدوائية والبناء والصناعات الغذائية وتربية المواشي وصناعة الشوكولاتة والبسكويت والبلاستيك وتمثيل علامات تجارية أوروبية.

لكن القوة الأكبر، بحسب روايته، كانت مرتبطة بقناة “الجزائرية وان”، التي يقول إن منصاتها الرقمية تحقق حالياً نحو 200 مليون مشاهدة شهرياً.

ومن هنا يربط عيسيو بين نفوذه الإعلامي وبين الملاحقة التي يقول إنه تعرض لها، معتبراً أن السلطة الجزائرية تخشى من قدرته على التأثير في الرأي العام.

والأكثر إثارة في تصريحات عيسيو أنه لم يغلق الباب أمام دخوله السباق السياسي مستقبلاً. فعندما سألته صحيفة “ذا أوبجيكتيف” عما إذا كان يفكر في الترشح لرئاسة الجزائر في انتخابات 2029، لم ينف الأمر، ولم يطلب مهلة للتفكير، بل ترك الإجابة معلقة بكلمتين: “ولم لا؟”.

وهكذا، وبينما كانت الجزائر تسعى عبر طلب قضائي إلى استعادة رجل تعتبره مطلوباً لديها، وجد هذا الرجل نفسه خارج السجن الإسباني، أمام وسائل الإعلام، يتحدث عن مستقبله السياسي، بل ويفتح الباب أمام احتمال الوصول إلى أعلى منصب في البلاد.

المفارقة أن محاولة إغلاق الملف بالتسليم قد تكون، على مستوى الصورة السياسية والإعلامية، قد فتحت ملفاً أكبر بكثير. فالرجل الذي دخل إلى مطار برشلونة موقوفاً بناء على طلب جزائري، خرج من السجن الإسباني ليطرح قضية النظام الجزائري على طاولة العلاقات مع مدريد، ويتحدث عن مخاوفه من رد فعل الجزائر، ثم يترك احتمال الترشح للرئاسة قائماً.

وبينما تراقب مدريد الملف من بوابة القضاء، تجد الجزائر نفسها أمام سؤال سياسي أكثر إزعاجاً: ماذا تفعل مع خصم لم يعد داخل حدودها، ولا خلف القضبان، بل أصبح قادراً على مخاطبة الرأي العام الأوروبي والدولي، وترك الباب مفتوحاً أمام مواجهة انتخابية في 2029؟

في النهاية، قد يكون أكثر ما يربك حسابات الجزائر في قصة عيسيو ليس خروجه من السجن الإسباني فحسب، وإنما الطريقة التي خرج بها: حراً، أمام الإعلام، وبطموح سياسي لم يعد يخفيه.

19/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts