مع اقتراب المواعيد الانتخابية في عدد من الدول الأوروبية، يعود ملفا الإسلام والهجرة إلى صدارة النقاش السياسي، من فرنسا وألمانيا إلى هولندا والدول الإسكندنافية وإسبانيا، حيث تتقاطع الهجرة أيضا مع قضايا الحدود والأمن والعلاقات مع المغرب. ولا يتعلق الأمر بملفين هامشيين، فالهجرة ترتبط بالديموغرافيا وسوق العمل والحدود والسياسات الاجتماعية، بينما تطرح مكانة الإسلام في المجتمعات الأوروبية أسئلة بشأن حرية المعتقد والعلمانية والتعليم والمجال العام. غير أن التحول اللافت يتمثل في استمرار إعادة طرح هذه القضايا في الحملات الانتخابية بصيغ تختزل أحيانا تحولات اجتماعية واقتصادية أوسع، رغم أن المسلمين أصبحوا جزءا من البنية المجتمعية الأوروبية، مع أجيال ولدت ونشأت في دول القارة وشاركت في قطاعات مختلفة من الحياة العامة، فيما تغيرت طبيعة الهجرة نفسها لتشمل الطلاب والباحثين والكفاءات والعمال والمهاجرين لأسباب عائلية، إلى جانب الهجرة غير النظامية.
في المقابل، تواجه أوروبا تحولات عميقة تتجاوز قضايا الهوية والهجرة، أبرزها إعادة تشكيل سوق العمل بفعل الذكاء الاصطناعي والخوارزميات واقتصاد المنصات، إلى جانب تحديات الشيخوخة السكانية ونقص بعض المهارات والضغط على أنظمة الصحة والتقاعد والسكن والتعليم. ويطرح هذا التحول أسئلة حول مستقبل الوظائف والحماية الاجتماعية والتكوين، في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا تؤثر في التوظيف وتقييم الأداء وتنظيم المهام، وظهرت أنماط عمل جديدة عبر المنصات الرقمية. كما أن أزمات مثل السكن لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، إذ تتداخل فيها أسعار العقار ونقص العرض والتخطيط الحضري والاستثمار وأسعار الفائدة، بينما يتأثر سوق العمل بالتحولات الديموغرافية والتكنولوجية وتغير بنية الاقتصاد. وفي هذا السياق، تبدو قضايا الإسلام والهجرة جزءا من مشهد أوسع يحتاج إلى سياسات متخصصة تعالج كل ملف بحسب طبيعته، بدلا من تحميلهما مسؤولية أزمات متعددة الأسباب.
ويبرز أمام السياسة الأوروبية تحدي الانتقال من التعامل مع الإسلام والهجرة باعتبارهما موضوعين دائمَي الحضور في الحملات إلى إدراجهما ضمن السياسات العمومية المرتبطة بالمواطنة والحريات والديموغرافيا وسوق العمل والحدود والتعاون الدولي. وتختلف نماذج الدول الأوروبية في تنظيم العلاقة بين الدولة والدين والهجرة، غير أن واقع القارة يشير إلى ترسخ الوجود الإسلامي ضمن مجتمعاتها، وإلى استمرار الهجرة كعنصر من عناصر بنيتها السكانية والاقتصادية. لذلك تتسع الأسئلة التي ستحدد مستقبل أوروبا لتشمل كيفية التوفيق بين التحول التكنولوجي والعدالة الاجتماعية، وتمويل الصحة والتقاعد، وتطوير التعليم، وتوفير السكن، وتعزيز القدرة التنافسية في مواجهة الاقتصادات الكبرى، إلى جانب وضع سياسات هجرة واضحة تراعي حاجات الاقتصاد والقانون والقدرة على الاستقبال ومتطلبات الأمن والحقوق الإنسانية. وبهذا المعنى، لن تختفي قضايا الإسلام والهجرة من الأجندة السياسية الأوروبية، لكنها يمكن أن تنتقل من كونها محاور انتخابية مهيمنة إلى ملفات عادية ضمن نقاش أوسع حول مستقبل المجتمعات الأوروبية.
21/09/2026