kawalisrif@hotmail.com

العاهل الإسباني خلال زيارته إلى جاليته في شمال المغرب … فيليبي السادس يستعرض السيادة الإسبانية المزعومة فوق أرض مغربية ويوجه رسائل سياسية إلى الرباط

العاهل الإسباني خلال زيارته إلى جاليته في شمال المغرب … فيليبي السادس يستعرض السيادة الإسبانية المزعومة فوق أرض مغربية ويوجه رسائل سياسية إلى الرباط

في زيارة تتجاوز أبعادها المعلنة حدود التواصل مع السكان والمناسبات البروتوكولية، حلّ العاهل الإسباني الملك فيليبي السادس، كما هو معلوم ، مرفوقاً بزوجته الملكة ليتيسيا، بمدينة سبتة المحتلة، في خطوة أعادت إلى الواجهة ملف الثغرين المغربيين المحتلين، وفتحت الباب أمام قراءة سياسية لتحركات المؤسسة الملكية الإسبانية في منطقة لا تزال تشكل إحدى أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين الرباط ومدريد.

وتأتي الزيارة في سياق يثير أكثر من علامة استفهام بشأن الرسائل التي تسعى مدريد إلى تمريرها من خلال الحضور الملكي في سبتة، خصوصاً أن المناسبة لم تقتصر على التواصل مع السكان أو الوقوف على أوضاعهم الاجتماعية، بل رافقتها تصريحات ومواقف تؤكد التشبث الإسباني بالمدينة، في تجاهل واضح للموقف المغربي التاريخي الذي يعتبر سبتة ومليلية ثغرين محتلين.

ورغم أن القصر الملكي الإسباني قدّم الزيارة باعتبارها مناسبة للتواصل مع السكان وتعزيز الروابط بينهم وبين المؤسسة الملكية، فإن طبيعة الخطاب المصاحب لها تمنحها أبعاداً سياسية تتجاوز التفسير البروتوكولي. فحين يحضر رأس الدولة بنفسه إلى مدينة متنازع بشأن وضعها التاريخي والسيادي، ويؤكد ارتباط مستقبل سكانها بالدولة الإسبانية، فإن الأمر لا يتعلق فقط برسالة طمأنة داخلية، بل أيضاً بمحاولة تكريس الرواية الرسمية الإسبانية بشأن المدينة المغربية المحتلة .

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات فيليبي السادس التي أكد فيها أن مستقبل سكان سبتة هو مستقبل إسبانيا، لتختزل الرسالة التي أرادت مدريد إيصالها من قلب المدينة المحتلة، والمتمثلة في التشبث بالأمر الواقع وتقديم الوجود الإسباني باعتباره حقيقة نهائية. غير أن تكرار المواقف الرسمية لا يلغي الخلفية التاريخية للقضية، ولا يجعل من الخلاف المغربي الإسباني بشأن المدينتين مجرد ملف تجاوزه الزمن.

وتزداد دلالات هذه الخطوة بالنظر إلى أن الزيارات الملكية الإسبانية إلى سبتة اليوم الثلاثاء ومليلية غدا الأربعاء، ظلت على امتداد السنوات محطات شديدة الحساسية في العلاقات بين البلدين، بالنظر إلى ما تحمله من رمزية سيادية. فالمغرب، الذي يحرص على تطوير شراكته الاستراتيجية مع إسبانيا في مجالات الاقتصاد والأمن والهجرة، لا يتعامل مع قضية الثغرين باعتبارها تفصيلاً هامشياً، بل باعتبارها ملفاً تاريخياً وسياسياً يظل حاضراً في خلفية العلاقات الثنائية.

كما تأتي الزيارة في أعقاب أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة قبل نحو شهرين ونصف الشهر، وما رافقها من تداعيات اجتماعية وأمنية وسياسية. وفي الوقت الذي سعت فيه السلطات الإسبانية إلى تقديم الاستقبال الجماهيري للملك والملكة باعتباره تعبيراً عن الالتفاف حول المؤسسة الملكية، فإن المشهد الاحتفالي لا يكفي وحده لإخفاء التعقيدات التي تواجه المدينة، ولا سيما ما يرتبط بتدبير الهجرة والتحديات الاجتماعية والاقتصادية.

وقد احتشد آلاف السكان من الجالية الإسبانية في شمال المغرب ، لاستقبال الملكين، رافعين الأعلام الإسبانية ومرددين شعارات تؤكد تشبثهم ببقاء المدينة المغربية المحتلة تحت الإحتلال الإسباني . لكن الحشود، مهما كان حجمها، لا تشكل في حد ذاتها حجة لحسم الخلافات التاريخية، كما أن الصور الرسمية والهتافات الجماهيرية لا تستطيع أن تحوّل القضايا المرتبطة بالسيادة إلى ملفات مغلقة بمجرد استعراض المواقف أمام الكاميرات.

ومن المفارقات اللافتة أن رئيس الحكومة المحلية بسبتة، خوان خيسوس فيفاس، سبق أن وصف الوضع في المدينة بأنه أشبه بـ”قدر ضغط قد ينفجر في أي لحظة” ، في تعبير يعكس حجم التحديات التي تواجهها المنطقة. وهو ما يطرح تساؤلات بشأن الفارق بين الصورة الاحتفالية التي رافقت الزيارة والواقع الاجتماعي والأمني الذي لا تزال السلطات المحلية تحذر من تداعياته.

وشمل البرنامج الملكي زيارة مؤسسة تعليمية تضم تلاميذ من خلفيات دينية مختلفة، إلى جانب زيارة المقبرة الإسلامية بسيدي مبارك، حيث أُقيمت مراسم تكريمية لضحايا فقدوا حياتهم في البحر أواخر يوليوز الماضي، بحضور ممثلين عن ديانات متعددة.

وتحمل هذه المحطات أبعاداً إنسانية مرتبطة بالتعايش والتضامن مع الضحايا، غير أنها لا تنفصل عن السياق العام للزيارة، الذي يتداخل فيه البعد الاجتماعي مع الرسائل السياسية المرتبطة بتأكيد الحضور الإسباني في المدينة. فالتعايش بين مكونات المجتمع المحلي مسألة، والخلاف التاريخي بشأن وضع سبتة ومليلية مسألة أخرى، ولا يمكن استخدام الأولى لإلغاء الثانية أو تجاوز النقاش المرتبط بها.

وتستحضر هذه الزيارة أيضاً واقعة الزيارة الملكية الإسبانية السابقة إلى سبتة ومليلية في نونبر 2007، التي أثارت حينها استياءً مغربياً واسعاً. وبعد سنوات طويلة، يعود القصر الملكي الإسباني إلى المدينتين في خطوة تعيد طرح السؤال حول حدود تأثير مثل هذه المبادرات على العلاقات الثنائية، ومدى استعداد مدريد للتعامل مع حساسية الملف في إطار يحترم مواقف الطرفين.

وفي المقابل، يواصل المغرب التمسك بموقفه التاريخي من الثغرين، مع الحرص على بناء علاقات استراتيجية مع إسبانيا تقوم على التعاون والمصالح المشتركة. غير أن استمرار هذا التعاون لا يعني، بالضرورة، تجاوز الملفات الخلافية أو القبول بتحويل الأمر الواقع إلى مسلّمة خارج النقاش السياسي والتاريخي.

وبينما تسعى مدريد إلى تقديم الزيارة باعتبارها تعبيراً طبيعياً عن ارتباط الملكية الإسبانية بسكان سبتة، فإن توقيتها وخطابها المصاحب يتيحان قراءتها باعتبارها أيضاً رسالة سياسية تؤكد تمسك إسبانيا بموقفها من المدينة، في وقت يظل فيه الموقف المغربي مختلفاً بشأن وضعها التاريخي والسيادي.

وهكذا، قد تنجح الزيارة في تحقيق أهدافها الرمزية داخل إسبانيا، لكنها لا تستطيع بمفردها إغلاق ملف سبتة ومليلية أو محو جذوره التاريخية. فالقضايا المرتبطة بالسيادة لا تُحسم بالاستعراضات البروتوكولية ولا بكثافة الحضور الإعلامي، وإنما تظل مرتبطة بمسارات سياسية وتاريخية أعمق من أن تختزلها زيارة ملكية أو تصريحات رسمية.

وفي المحصلة، فإن زيارة فيليبي السادس إلى سبتة المحتلة تضع مجدداً العلاقات المغربية الإسبانية أمام اختبار دقيق: كيف يمكن للطرفين مواصلة بناء شراكة استراتيجية واسعة، في الوقت الذي تستمر فيه مدريد في تأكيد موقفها من الثغرين، ويتمسك فيه المغرب بموقفه التاريخي منهما؟ سؤال يظل مفتوحاً، ويؤكد أن الصور الاحتفالية، مهما كانت لافتة، لا تكفي وحدها لتجاوز الملفات العالقة بين البلدين.

13/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts