kawalisrif@hotmail.com

المغرب يطلق تجربة جامعية غير مسبوقة .. الأميرة للا أسماء تدشن أول جامعة دامجة للصم وذوي السمع الطبيعي

المغرب يطلق تجربة جامعية غير مسبوقة .. الأميرة للا أسماء تدشن أول جامعة دامجة للصم وذوي السمع الطبيعي

جامعة للا أسماء بالرباط تفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب.. 16 دبلوماً و3500 مقعد للتكوين في علوم السمع والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ولغة الإشارة

في خطوة تحمل أبعاداً علمية وإنسانية واجتماعية بارزة، أشرفت الأميرة للا أسماء، رئيسة مؤسسة للا أسماء، اليوم الخميس بالرباط، على تدشين جامعة للا أسماء، التي تقدمها المؤسسة باعتبارها أول جامعة دامجة من نوعها في العالم، في تجربة تعليمية تسعى إلى تغيير واقع التكوين العالي أمام الصم وضعاف السمع، من خلال فتح أبواب الجامعة أمامهم إلى جانب الطلبة من ذوي السمع الطبيعي، على أساس تكافؤ الفرص وتوحيد المسارات الدراسية.

ولا يقتصر المشروع على إحداث مؤسسة جامعية جديدة، بل يتجاوز ذلك إلى بناء نموذج تعليمي يدمج الرعاية الصحية والتكوين الأكاديمي والابتكار التكنولوجي والتأهيل المهني، بهدف تمكين الشباب من اكتساب كفاءات تتيح لهم الاندماج في سوق الشغل والمساهمة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بعيداً عن الصور النمطية التي طالما ربطت الإعاقة السمعية بصعوبات الولوج إلى التعليم والمهن.

ويأتي هذا المشروع في سياق التوجه الرامي إلى تعزيز الرأسمال البشري وتوسيع فرص الإدماج، من خلال توفير تكوين مجاني في علوم السمع، والاستعانة بشبكة من الشركاء الجامعيين والطبيين والإعلاميين، بما يتيح للطلبة الاستفادة من خبرات متخصصة في مجالات دقيقة، تشمل طب السمع وتقويم النطق وزراعة القوقعة ولغات الإشارة والذكاء الاصطناعي.

3500 مقعد و16 دبلوماً.. الجامعة تراهن على تكوين كفاءات المستقبل

وفق المعطيات التي أعلنتها مؤسسة للا أسماء، تتوفر الجامعة الجديدة على أربع مدارس تقدم 16 دبلوماً، ضمن مسارات تمتد من الشهادات المهنية والتكوين المتخصص إلى مستوى الماستر، مع تخصيص 3500 مقعد للتكوين، فضلاً عن داخلية مرتقب افتتاحها سنة 2027، ستستقبل طلبة من مختلف جهات المملكة ومن خارج المغرب.

وتشكل مجانية التكوين في علوم السمع أحد أبرز ملامح هذا المشروع، إذ تتيح للطلبة الصم وضعاف السمع وذوي السمع الطبيعي متابعة مسارات دراسية مشتركة، بما يفتح المجال أمامهم لاكتساب المهارات نفسها، وتطوير قدراتهم العلمية والمهنية في بيئة جامعية قائمة على التفاعل والتعاون.

وتشمل التخصصات المعلن عنها مجالات متعددة، من بينها علوم السمع والأعصاب السريرية، وتقويم النطق والعلاج السمعي اللفظي، والإرشاد الأسري، وعلم النفس السريري، والتحليل التطبيقي للسلوك، وزراعة القوقعة، إلى جانب الترجمة الفورية بلغة الإشارة والولوجيات والإعلام الدامج.

كما تمتد عروض التكوين إلى المعلوميات والذكاء الاصطناعي والتصميم الغرافيكي والفن الرقمي، فضلاً عن التكوين المهني في مجالات الطبخ وصناعة الحلويات والشوكولاتة والخدمات، في تصور يروم توسيع الخيارات المتاحة أمام الشباب، وربط التكوين باحتياجات سوق الشغل.

خمس اتفاقيات استراتيجية تربط الجامعة بمؤسسات دولية ووطنية

وعلى هامش حفل التدشين، أشرفت الأميرة للا أسماء على مراسم توقيع خمس اتفاقيات تعاون، وقعها كريم الصقلي، الرئيس المنتدب لمؤسسة للا أسماء، أمام سموها، بهدف إرساء شراكات أكاديمية وطبية وتكنولوجية تدعم مكانة الجامعة وتوسع آفاق التكوين والبحث العلمي.

وتشمل الاتفاقيات المعهد الاستشفائي الجامعي «ريكونيكت» بباريس، وجامعة مونبليي الفرنسية، وشراكة تجمع الجامعة الكاثوليكية بلوفان والمدرسة العليا ليونار دو فانشي والمصحات الجامعية سان لوك ببلجيكا، إضافة إلى جامعة محمد الخامس بالرباط والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.

وبموجب هذه الشراكات، ستستفيد الجامعة من خبرات متخصصة في البحث الجيني المرتبط بالصمم والعلاج الجيني وطب السمع لدى الأطفال والبالغين، فضلاً عن تطوير التكوين في تجهيزات السمع وزراعة القوقعة، وتعزيز البحث العلمي والتعاون الأكاديمي.

كما تستهدف الشراكة البلجيكية تطوير التعاون في الرعاية السريرية المرتبطة بزراعة القوقعة وتكوين أخصائيي السمع، بينما تروم الاتفاقية المبرمة مع جامعة محمد الخامس تعزيز التكامل في مجالي التعليم العالي والبحث العلمي.

أما الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، فستساهم في تكوين مترجمين بلغة الإشارة للعمل في القنوات التلفزيونية والإذاعية، وتطوير برامج إعلامية أكثر ولوجاً، فضلاً عن فتح آفاق جديدة أمام الشباب الصم في مهن الصورة والإنتاج السمعي البصري.

وكانت المؤسسة قد أبرمت، قبل أسابيع، اتفاقية سادسة مع مؤسسة أكاديمية أمريكية من شيكاغو، لدعم التكوين والبحث في مجال التحليل التطبيقي للسلوك، من خلال مسلك للماستر ومختبر متخصص، مع توفير التأطير العلمي وتبادل الخبرات والأساتذة والطلبة.

سبعة مختبرات تجمع الطب والتكنولوجيا والابتكار

ومن أبرز مكونات الجامعة احتضانها سبعة مختبرات متخصصة، صُممت لتوفير بيئة تجمع بين الدراسة النظرية والتدريب العملي والبحث والابتكار.

ويتصدر هذه الفضاءات مختبر الابتكار، الذي يركز على الذكاء الاصطناعي والروبوتات البشرية وتطوير تقنيات قادرة على تسهيل التواصل بلغات الإشارة، إلى جانب مختبر الحركة «موشن لاب»، الذي جهزته الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، ويخصص لتسجيل لغة الإشارة المغربية وتطوير شخصيات افتراضية ومحتويات تعليمية وقاموس بصري مرجعي.

وتضم الجامعة أيضاً مختبر الإدماج، الذي يعنى بالتوجيه وتنمية المهارات التواصلية والعلاقاتية ودعم ريادة الأعمال، ومختبراً رقمياً لتطوير المواقع الإلكترونية والتطبيقات والبرمجيات.

وفي المجال الطبي، توفر المؤسسة مختبراً للتشريح المتخصص في الأنف والأذن والحنجرة، يتيح للجراحين التدريب على عمليات زراعة القوقعة قبل إجرائها، إلى جانب مختبر للسمع لإجراء الفحوصات وضبط الأجهزة المساعدة على السمع، ومختبر للتحليل التطبيقي للسلوك مخصص للتدريب على مواكبة الأطفال الذين يحتاجون إلى دعم في النمو والتواصل.

ويعكس هذا التنوع توجهاً نحو تجاوز التكوين التقليدي، عبر تمكين الطلبة والمتخصصين من اكتساب خبرات تطبيقية في بيئة تحاكي متطلبات الممارسة المهنية والبحث العلمي.

من الجامعة إلى سوق الشغل.. رهان على إدماج الصم في مختلف المهن

ومن بين الأهداف المركزية للمشروع إعداد جيل جديد من الكفاءات القادرة على العمل في مجالات كانت تواجه فيها فئة الصم وضعاف السمع تحديات مرتبطة بالتواصل والولوج إلى التكوين والتشغيل.

وتتيح المسارات المقترحة أمام خريجي البكالوريا، سواء كانوا من الصم أو من ذوي السمع الطبيعي، فرصاً للتخصص في علوم السمع وتقويم النطق وعلم النفس السريري والترجمة بلغة الإشارة وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن المهن التقنية والحرفية والخدماتية.

كما تشمل المبادرة تكوين مهنيين في قطاعات الخدمات والاستقبال، إذ أفادت المؤسسة بأن مؤسسات بنكية وفندقية ستوفد موظفين للاستفادة من برامج تدريبية تركز على التواصل مع الزبائن الصم، في حين يرتقب أن تستفيد فرق الاستقبال بأحد الملاعب المرتبطة باستعدادات كأس العالم 2030 من تكوين مماثل.

وتكتسي هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل استعداد المغرب، بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، لتنظيم نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2030، بما يفرض تعزيز الولوجيات وتحسين شروط استقبال الزوار، بمن فيهم الصم وضعاف السمع، داخل الملاعب والفنادق ووسائل النقل والمرافق العمومية.

وفي هذا السياق، تراهن الجامعة على تكوين مترجمين ومهنيين وأطر قادرة على ضمان التواصل مع هذه الفئة، بما يجعل الإدماج جزءاً من الممارسة اليومية داخل المؤسسات، وليس مجرد التزام نظري.

طلبة من تجارب مختلفة ومسارات دراسية مشتركة

وتضم الفئات المستهدفة أيضاً شباباً يستفيدون من خدمات المواكبة التي تقدمها مؤسسة للا أسماء، بينهم أشخاص خضعوا لعمليات زراعة القوقعة خلال طفولتهم، وتمكنوا من تطوير قدراتهم التواصلية، إذ ستتاح لهم فرصة متابعة المسارات الدراسية نفسها التي يلجها باقي الطلبة.

ويقوم التصور المعتمد على جمع الطلبة داخل فضاء جامعي واحد، بما يسمح بتبادل الخبرات وبناء علاقات أكاديمية ومهنية مشتركة، مع توفير التكوين المتخصص الذي يحتاج إليه كل طالب وفق مساره الدراسي.

ويعزز هذا التوجه فكرة أن الإدماج لا يتحقق فقط بتوفير خدمات الرعاية، وإنما أيضاً بإتاحة فرص التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، وتمكين الأشخاص الصم وضعاف السمع من تطوير مهاراتهم وتحقيق استقلاليتهم المهنية.

الأميرة للا أسماء تطلع على المختبرات والورشات

وخلال حفل التدشين، استقبلت البروفيسورة نوال بويحياوي، رئيسة جامعة للا أسماء، الأميرة للا أسماء، قبل أن تزيح سموها الستار عن اللوحة التذكارية إيذاناً بافتتاح المؤسسة.

كما قامت الأميرة بجولة شملت عدداً من المختبرات والورشات، واطلعت على التجهيزات المخصصة للمحاكاة الطبية وزراعة القوقعة والرقمنة والابتكار والتكوين المهني، والتقت بأعضاء هيئة التدريس والمسؤولين والشركاء المشاركين في إنجاز المشروع.

وشملت الجولة فضاءات المحاكاة الطبية ومختبر السمع واستوديو التقاط الحركة والورشات المهنية، بحضور عدد من الأكاديميين والمسؤولين، من بينهم ممثلون عن مؤسسات وطنية وشركاء دوليون.

مشروع يتجاوز حدود الجامعة

وبحسب مؤسسة للا أسماء، فإن إحداث الجامعة يمثل انتقالاً من تقديم الرعاية إلى تكوين الكفاءات القادرة على تقديمها مستقبلاً، من خلال جمع الشباب الصم وذوي السمع الطبيعي في مسارات تعليمية مشتركة، وتوفير بيئة تتيح لهم اكتساب المهارات نفسها والمنافسة في سوق الشغل.

وقال كريم الصقلي، الرئيس المنتدب للمؤسسة، إن المؤسسة ظلت لسنوات تقدم الرعاية، قبل أن تنتقل اليوم إلى تكوين الأشخاص الذين سيتولون تقديمها مستقبلاً، مؤكداً أن الرؤية تقوم على جعل الإدماج قاعدة مشتركة داخل المنظومة التعليمية.

وبين طموح التكوين الطبي المتخصص والانفتاح على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تراهن جامعة للا أسماء على تقديم تجربة جديدة في التعليم العالي، تجعل من الولوجيات ولغات الإشارة والابتكار عناصر أساسية في التكوين.

ويبقى الرهان الأكبر هو ترجمة هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة، عبر تخريج كفاءات مؤهلة، وتوسيع فرص التشغيل، وتعزيز حضور الأشخاص الصم وضعاف السمع في مختلف القطاعات، بما يضمن أن يتحول الإدماج من مبادرة مؤسساتية إلى واقع يومي مستدام.

15/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts