تعيش فرنسا على وقع احتقان اجتماعي متزايد، في ظل تصاعد الغضب الشعبي بسبب غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية، بالتزامن مع انتقادات متنامية لأداء السلطات الفرنسية في تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وسط مخاوف من اتساع رقعة الاحتجاجات وتحولها إلى حراك وطني يعيد إلى الأذهان اضطرابات حركة “السترات الصفراء” التي هزت البلاد سنة 2018.
وانطلقت مظاهرات يومه السبت في سياق احتجاجي يتجاوز المطالب الاقتصادية المباشرة، ليشمل تراجع جودة الخدمات العمومية، وضعف الإنفاق على قطاعات حيوية، والتفاوتات الاجتماعية، فضلاً عن تدهور ظروف التعليم في عدد من المناطق الفقيرة. وهي مؤشرات تعيد طرح تساؤلات بشأن قدرة الحكومة الفرنسية على احتواء تداعيات الأزمة وإقناع المواطنين بجدوى السياسات المعتمدة.
وبدأت موجة الاحتجاجات، خلال الشهر السابق في مؤسسات للتعليم الثانوي ، حيث تصاعد الغضب بسبب غياب المدرسين وتردي البنيات المدرسية، قبل أن تتسع دائرة المطالب لتشمل قضايا اجتماعية واقتصادية أوسع. وسرعان ما تجاوزت التحركات حدود المؤسسات التعليمية، مع بروز دعوات إلى التعبئة في مختلف مناطق البلاد، في مشهد يعكس حجم التراكمات التي باتت تضغط على فئات واسعة من المجتمع الفرنسي.
وتجد السلطات الفرنسية نفسها، في ظل هذه التطورات، أمام اختبار صعب، بعدما أصبحت تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار الوقود والقلق بشأن مستقبل الخدمات العمومية من أبرز العوامل المغذية للاحتقان. فالأزمة لا تتعلق فقط بارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى قدرة الأسر على مواجهة النفقات اليومية، ومدى توفر الخدمات التعليمية والصحية والإدارية بالجودة المطلوبة، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة.
وفي باريس، انتشرت قوات الشرطة بكثافة في محيط مناطق استراتيجية، من بينها شارع الشانزليزي وقوس النصر، بينما جرى استبعاد هذه المناطق من مسارات المظاهرات الرسمية، وفق التقرير. وفي مناطق أخرى، دُعي إلى تنظيم مئات التحركات الاحتجاجية بمشاركة عشرات الآلاف، وسط محاولات لقطع الطرق وإشراك مجموعات من المحتجين الذين ارتدوا السترات الصفراء الفسفورية، في استحضار واضح للحركة الاحتجاجية التي فرضت نفسها على المشهد الفرنسي قبل سنوات.
وفي مدينة مارسيليا، تحدثت المعطيات الواردة عن إضرام النار في حاويات للنفايات، في مؤشر على احتمال انتقال بعض التحركات من الاحتجاج الاجتماعي إلى مواجهات وأعمال تخريب. كما ترددت ادعاءات بشأن إحراق ممتلكات عامة وخاصة، شملت مباني إدارية ومؤسسات مالية ومحلات تجارية وأسواقاً كبرى، إلى جانب الحديث عن إحراق بلدية مارسيليا وتضرر أكثر من مائة سيارة في شوارع باريس، فضلاً عن سيارات إسعاف كانت موجودة لتقديم المساعدة للمصابين خلال المواجهات.
ونقل متظاهرون شباب أن الاحتجاجات تأتي على خلفية الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، فضلاً عن العنف الذي يتعرض له تلاميذ المدارس الثانوية خلال التحركات الاحتجاجية، ومطالبهم بتوفير عدد كافٍ من المدرسين وتحسين ظروف الدراسة.
وتضع هذه المطالب الحكومة أمام تساؤلات جوهرية حول مدى قدرتها على الاستجابة للاحتياجات اليومية للمواطنين، خصوصاً عندما تتحول مشاكل التعليم والقدرة الشرائية إلى بؤر متزامنة للاحتجاج. كما أن اتساع رقعة الغضب، إذا استمر، قد يزيد الضغوط على المؤسسات الحكومية ويجدد النقاش بشأن الأولويات الاجتماعية والاقتصادية التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام.
وتتزامن هذه التطورات مع دخول الرئيس إيمانويل ماكرون المرحلة الأخيرة من ولايته، في ظل مشهد سياسي منقسم وتحديات مالية متزايدة. ووفق التقرير، لم تنجح الجهود الرامية إلى الحد من ارتفاع الدين العام في استعادة ثقة المستثمرين بصورة كافية، بينما ارتفعت تكاليف الاقتراض إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ أكثر من عقدين، وهو ما يزيد تعقيد الخيارات المتاحة أمام السلطات بين ضبط المالية العامة والاستجابة للمطالب الاجتماعية.
وتكمن إحدى أبرز نقاط التوتر في صعوبة التوفيق بين السياسات الرامية إلى احتواء العجز المالي وبين المطالب المتزايدة بتحسين الخدمات العمومية وحماية القدرة الشرائية. فحين يشعر المواطنون بأن أعباء المعيشة تتزايد بينما تتراجع جودة بعض الخدمات الأساسية، تتسع دائرة التساؤلات بشأن توزيع الأعباء الاقتصادية ومدى عدالة القرارات المتخذة.
وفي هذا السياق، صرح رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، بحسب التقرير، بأن السلطات تخشى اندلاع أعمال شغب خلال الاحتجاجات. كما اتهمت الحكومة حزب «فرنسا الأبية» اليساري بتأجيج التحركات، وهو ما نفاه الحزب، في وقت بات فيه الخلاف السياسي جزءاً من المشهد المحيط بالأزمة الاجتماعية.
وعلى مستوى التعامل الأمني، واجهت الشرطة انتقادات بسبب أساليب تدخلها خلال الاحتجاجات، وسط تقارير عن إصابات خطيرة في صفوف المتظاهرين، من بينها حالة مراهق بُترت يده بعد التقاطه قنبلة صوتية. وفي المقابل، ذكر لوكورنو أن أكثر من 900 شرطي أصيبوا خلال الأحداث، بينما باشرت الهيئة الرقابية المختصة تحقيقات في ما لا يقل عن 24 حالة تتعلق بادعاءات استخدام الشرطة للعنف.
كما أثار احتمال اللجوء إلى الأسلحة الوسيطة خلال احتجاجات السبت مخاوف بشأن خطر تصاعد الإصابات. وقال وزير الداخلية لوران نونيز قوله، خلال مقابلة تلفزيونية أمس الجمعة، إن استخدام هذه الوسائل قد يكون ممكناً في حال وقوع اشتباكات. ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة مسألة التوازن بين حفظ النظام العام وضمان الحق في الاحتجاج، خصوصاً في ظل الاتهامات المتبادلة بشأن مسؤولية التصعيد الميداني.
وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان حركة «السترات الصفراء»، التي انطلقت سنة 2018 احتجاجاً على الضرائب المفروضة على وقود الديزل، قبل أن تتحول إلى حركة أوسع تعبر عن الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة والتفاوت في الدخل. ورغم الهدوء النسبي الذي أعقب إجراءات وتخفيضات ضريبية بمليارات اليوروهات، فإن عودة الرمزية الاحتجاجية للحركة تعكس استمرار حضور الملفات التي فجرت الغضب آنذاك في النقاش العام الفرنسي.
إن ما يجري في فرنسا يسلط الضوء على أزمة مركبة تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية مع تراجع الثقة في المؤسسات والتوتر حول جودة الخدمات العمومية وحدود التدخل الأمني. ولا يمكن اختزال هذه التطورات في أعمال التخريب وحدها، كما لا يمكن تجاهل خطورة الاعتداء على الممتلكات أو تعريض حياة المواطنين وعناصر الإنقاذ للخطر.
وتواجه السلطات الفرنسية، في نهاية المطاف، تحدياً يتجاوز السيطرة على الشوارع وتأمين المناطق الحيوية؛ إذ يرتبط الأمر بقدرتها على تقديم استجابات عملية لغلاء المعيشة، وتحسين الخدمات التعليمية والاجتماعية، وتوضيح الخيارات المتعلقة بالمالية العامة، وفتح قنوات حوار جادة مع المحتجين والنقابات.
فإذا استمر الضغط الاقتصادي دون حلول مقنعة، وظلت المطالب الاجتماعية تتراكم من دون استجابة ملموسة، فإن احتمالات تجدد الاحتجاجات ستبقى حاضرة في المشهد السياسي الفرنسي. أما احتواء الأزمة، فيتطلب معالجة أسبابها العميقة بالتوازي مع حماية النظام العام، وضمان الحق في التعبير السلمي، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في أعمال عنف أو تجاوزات، أياً كانت صفته أو موقعه.
17/10/2026