لم يعد صعود القدرات العسكرية المغربية مجرد موضوع عابر في النقاشات الدفاعية الإسبانية، بل أصبح ملفا يفرض نفسه على حسابات مدريد، ويدفع مسؤوليها إلى الحديث عن إعادة التسلح المغربي بلغة تجمع بين الاعتراف بالواقع ومحاولة التقليل من دلالاته. فبينما تواصل المملكة تحديث ترسانتها وتنويع شركائها الدفاعيين، تجد المؤسسة العسكرية الإسبانية نفسها أمام أسئلة محرجة بشأن مستقبل التوازنات جنوب مضيق جبل طارق، وحقيقة الاستقلال التكنولوجي الذي طالما استُخدم معيارا للحكم على طموحات الآخرين. والمفارقة أن بعض الأصوات التي اعتادت مراقبة كل تحرك مغربي بدقة لافتة، باتت مطالبة اليوم بتفسير تحدياتها الداخلية قبل توزيع دروس الجاهزية والتفوق على الجيران.
فقد أقر الفريق أول ميغيل إيفورا، المدير العام للاستراتيجية والابتكار في الصناعات الدفاعية بوزارة الدفاع الإسبانية، بأن المغرب يواصل التزود بالأسلحة الأمريكية والإسرائيلية، في اعتراف يعكس أن تحديث القدرات العسكرية للمملكة أصبح واقعا لا يمكن تجاهله. غير أن اللافت ليس مجرد الإقرار بصفقات التسليح المغربية، بل تلك المحاولة المتكررة لإحاطة هذا التطور بسلسلة من التحفظات التقنية، وكأن الاعتراف بالتغيرات الجارية يحتاج دائما إلى جرعة من التطمين للرأي العام الإسباني. وكأن مدريد تقول لنفسها قبل أن تقول لجارها الجنوبي: نعم، المغرب يتسلح ويطور قدراته، لكن لا داعي للقلق! غير أن تكرار التطمينات لا يغير الوقائع، كما أن التقليل من شأن التحولات لا يوقفها.
وسارع المسؤول الإسباني إلى التذكير بأن ارتفاع الإنفاق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقلال الاستراتيجي أو التفوق التكنولوجي. وهي قاعدة صحيحة في حد ذاتها، لكنها تصبح مثيرة للتساؤل حين تتحول إلى لازمة تثار كلما تعلق الأمر بتحديث الترسانة المغربية. فهل أصبح المطلوب من المغرب أن يعتذر عن تطوير قدراته الدفاعية، وأن يقدم مسبقا ضمانات بأن كل سلاح يقتنيه لن يغير شيئا في حسابات المنطقة؟ أم أن من حق المملكة، مثلها مثل غيرها من الدول، أن تستثمر في أمنها الوطني وأن تختار شركاءها وفقا لمصالحها الاستراتيجية، بعيدا عن منطق الوصاية أو التقييم الانتقائي؟
إن امتلاك السلاح لا يصنع وحده قوة عسكرية متكاملة، لكن هذه الحقيقة لا تمنح أحدا حق التعامل مع الصفقات المغربية باعتبارها استعراضا بلا قيمة. فالقوة الحديثة تُبنى عبر منظومة متكاملة تشمل التسليح والتدريب والجاهزية والاستخبارات والقيادة والسيطرة والصيانة، إلى جانب نقل التكنولوجيا وتطوير القدرات الصناعية. والمغرب، وهو يوسع شراكاته الدفاعية ويحدث تجهيزاته، لا يدعي أن الطريق انتهى، بل يتحرك ضمن مسار طويل لتعزيز قدراته وحماية مصالحه. أما تحويل كل خطوة مغربية إلى مناسبة للتشكيك، فيبدو أحيانا أقرب إلى محاولة لطمأنة الذات منه إلى قراءة عسكرية محايدة.
لكن الضربة الأكثر إحراجا في التصريحات الإسبانية جاءت من داخل المؤسسة الدفاعية نفسها، حين أقر إيفورا بأن إسبانيا عانت من “اعتماد مفرط” على التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، وأن فك الارتباط بهذه الصناعة يؤثر في الأمن القومي وقدرات القوات المسلحة. وهنا تنقلب المعادلة على أصحابها: كيف يمكن تقديم الاستقلال التكنولوجي باعتباره المعيار الحاسم للحكم على طموحات المغرب، بينما تعترف مدريد بأن اعتمادها السابق على مورد خارجي وضعها أمام تحديات تمس قدراتها الدفاعية؟ أليس من الأجدى أن تنشغل إسبانيا بتقليص مواطن هشاشتها الصناعية، بدلا من الاكتفاء بتذكير المغرب بأن شراء السلاح لا يكفي؟
وأوضح المسؤول الإسباني أن إنهاء التعاون العسكري مع إسرائيل، الذي بدأ في سبتمبر 2025 وفق المعطيات المنشورة، فرض على الصناعة الإسبانية تحمل مسؤولية تطوير قدرات كانت تحصل عليها من تل أبيب، مشيرا إلى أن تعويض الأنظمة المعقدة يحتاج إلى الوقت والمال. وبذلك، تتكشف المسافة الفاصلة بين إعلان القرار السياسي وتحقيق الاستقلال الصناعي على أرض الواقع. فالتخلي عن مورد أجنبي لا يعني امتلاك بديل جاهز، ورفع شعار السيادة لا يحول المصانع بين ليلة وضحاها إلى منصات قادرة على إنتاج كل ما تحتاج إليه القوات المسلحة. ويبدو أن مدريد اكتشفت أن الطريق إلى الاستقلال الدفاعي أكثر تعقيدا من بعض التصريحات التي تُوجَّه إلى الخارج.
وهنا تكمن المفارقة التي يصعب تجاهلها: حين يتعلق الأمر بالمغرب، يجري التشديد على الفارق بين اقتناء السلاح وامتلاك التكنولوجيا؛ وحين يتعلق الأمر بإسبانيا، تتحول الفجوة التكنولوجية إلى تحدٍّ صناعي يستدعي الوقت والتمويل والإصلاحات. لا مشكلة في الاعتراف بصعوبة بناء صناعة دفاعية مستقلة، فذلك تحد تواجهه دول عديدة، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح المعيار صارما عند تقييم طموحات الجار، ومرنا عندما يتعلق الأمر بالنواقص الذاتية. فالتكنولوجيا لا تُكتسب بالتعليقات، والاستقلال الصناعي لا يتحقق بمجرد التلويح به في المؤتمرات والتصريحات.
ومع ذلك، لا يعني الاعتراف بتطور القدرات المغربية أن التفوق العسكري الشامل على إسبانيا قد تحقق، فمثل هذا الحكم يحتاج إلى مقارنة دقيقة تشمل نوعية المنظومات، والتدريب، والقيادة والسيطرة، والاستخبارات، والقدرات اللوجستية، والصيانة، ومدى التكامل العملياتي بين مختلف التجهيزات. لكن هذا التحفظ العلمي لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء لتجاهل حقيقة أساسية: المغرب يطور قدراته الدفاعية، وينوع مصادر تسليحه، ويعزز شراكاته، في وقت تتغير فيه موازين الاهتمام الاستراتيجي في المنطقة. أما تصوير كل خطوة مغربية باعتبارها مجرد عملية شراء محدودة الأثر، فلا يثبت تفوقا ولا يقدم تقييما عسكريا جادا.
وفي محاولة لتعزيز قدراتها، تستعد إسبانيا، بحسب المعطيات المنشورة، لإطلاق تمويل مسبق لـ15 برنامجا جديدا للتحديث العسكري باستثمارات تتجاوز 1.4 مليار يورو، تشمل الدفاع الجوي والصواريخ. ومع هذه البرامج، سيرتفع عدد برامج التحديث العسكري الخاصة التي تديرها المديرية المعنية إلى 95 برنامجا، فيما بلغ الإنفاق الدفاعي الإسباني مستوى 2 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال عام 2025. وهي أرقام تكشف أن مدريد نفسها تخوض سباقا لتطوير قدراتها، وأن النقاش حول التسلح المغربي يجري بالتوازي مع تعبئة مالية وصناعية داخل إسبانيا.
لكن ضخ المليارات لا يكفي وحده لصناعة التفوق، كما أن الإعلان عن عشرات البرامج لا يعني أن نتائجها ستظهر فورا في الميدان. فهناك أسئلة تتعلق بآجال التنفيذ، ونقل التكنولوجيا، وكفاءة التصنيع، وتوفير قطع الغيار، والصيانة، والقدرة على دمج الأنظمة الجديدة في منظومة عملياتية متماسكة. والميزانيات الضخمة قد تفتح الطريق أمام التحديث، لكنها لا تختصره؛ فبين تخصيص الأموال وتحقيق الجاهزية مسافة تحددها الكفاءات والتخطيط والقدرة على التنفيذ. ولهذا، فإن الأرقام الإسبانية تستحق التقييم بالمعايير نفسها التي يُطالب المغرب بالخضوع لها، لا أن تتحول تلقائيا إلى دليل على التفوق لمجرد أنها أُعلنت باليورو.
والأكثر دلالة أن إيفورا دعا إلى إصلاح منظومة التعاقد العسكري الإسبانية، وتسريع الإجراءات وتقليص البيروقراطية، كما شدد على ضرورة تعزيز التواصل بين الشركات الصناعية والمستخدم النهائي للتجهيزات العسكرية. وهي دعوات تكشف أن جزءا من التحديات لا يرتبط بمصادر السلاح فقط، بل بطريقة تدبير برامج التحديث نفسها، ومدى قدرة المؤسسات على تحويل الخطط إلى نتائج. وبذلك، لا تبدو المشكلة الإسبانية مجرد سباق مع تطور قدرات الجيران، بل تشمل أيضا ضرورة معالجة اختلالات داخلية تعترف بها المؤسسة الدفاعية ذاتها.
ومن هنا، يصبح من الصعب فهم الإصرار على تقديم المغرب باعتباره الطرف الذي ينبغي إخضاعه لاختبارات دائمة في الاستقلال والتكنولوجيا والجاهزية، بينما تواجه إسبانيا تحدياتها الخاصة في المجالات نفسها. فالمغرب لا يحتاج إلى شهادة حسن سلوك عسكرية من مدريد، ولا إلى موافقة إعلامية إسبانية كي يطور قواته المسلحة. ما يحتاج إليه هو مواصلة تحديث منظومته الدفاعية، والاستثمار في الكفاءات ونقل التكنولوجيا والصيانة، وتوسيع قاعدة الشراكات التي تخدم أمنه الوطني. أما تقييم النتائج، فيجب أن يستند إلى المعطيات الميدانية والقدرات الفعلية، لا إلى رغبة هذا الطرف أو ذاك في الاحتفاظ بصورة قديمة عن ميزان القوة.
إن أخطر ما تكشفه هذه التصريحات ليس أن المغرب حسم سباق التسلح، ولا أن إسبانيا فقدت تفوقها، بل أن المؤسسة الدفاعية الإسبانية باتت تتعامل مع التحديث العسكري المغربي بوصفه واقعا يستحق المتابعة، في الوقت الذي تواجه فيه أسئلة صعبة بشأن استقلالها التكنولوجي وكلفة بناء بدائل صناعية. وهذا وحده كاف لإسقاط فكرة أن التوازنات الإقليمية ثابتة إلى الأبد، أو أن امتلاك موقع متقدم في الماضي يمنح صاحبه ضمانة دائمة للمستقبل. فالقوة ليست لقبا تاريخيا، بل قدرة متجددة على التطوير والتكيف والاستثمار.
أما الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى مدريد، فهي بسيطة: مراقبة المغرب لا تعوض تطوير القدرات الإسبانية، والتشكيك في صفقات المملكة لا ينتج تكنولوجيا بديلة، والحديث عن الاستقلال الدفاعي لا يغني عن بنائه فعليا. فالمغرب يطور قدراته وفق مصالحه، وإسبانيا مطالبة بمعالجة تحدياتها وفق إمكاناتها، ولا يحتاج أي من البلدين إلى تحويل الآخر إلى شماعة لتعليق إخفاقاته أو مخاوفه عليها. وبينما تنشغل بعض الأصوات الإسبانية بحساب ما يقتنيه المغرب قطعة قطعة، يبقى السؤال الحقيقي: من يستطيع تحويل استثماراته وشراكاته إلى منظومة دفاعية أكثر تكاملا واستدامة؟
في النهاية، قد يكون أكثر ما يزعج بعض دوائر مدريد أن المغرب لم يعد مجرد موضوع للتعليق، بل أصبح طرفا يتحرك ويخطط ويطور قدراته في محيط استراتيجي متغير. أما محاولة تهدئة المخاوف عبر التقليل من قيمة ما يقتنيه، فلن تصنع تفوقا، مثلما أن الاعتراف بالاختلالات الداخلية ليس ضعفا إذا تحول إلى إصلاح حقيقي. فالميدان لا يحسمه الضجيج، ولا تصنع القوةَ عناوينُ الصحف؛ إنما تحسمها الجاهزية والكفاءة والتكنولوجيا والقدرة على حماية المصالح الوطنية. والمغرب، وهو يواصل مساره، ليس مطالبا بإقناع المتوجسين من كل خطوة يخطوها، بل بمواصلة البناء حتى تصبح الوقائع أبلغ من كل تعليق.
20/10/2026