أعادت الحكومة الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، فتح النقاش حول معضلة الزواج لدى الشباب المغاربة، بعدما كشفت في تصريحها الحكومي عن توجه يقضي بتقديم دعم مالي يصل إلى 5000 درهم لفائدة المقبلين على الزواج، في خطوة سبق أن أعلنت عنها وزيرة التضامن السابقة نعيمة بنيحيى قبل نحو سنة، لكنها تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة هذا الإجراء على معالجة الأسباب الحقيقية التي تدفع آلاف الشباب إلى تأجيل الزواج أو التخلي عنه.
ففي الوقت الذي تقدم فيه الحكومة هذا الدعم باعتباره جزءاً من توجه يروم تعزيز التماسك الأسري وتشجيع الشباب على تأسيس أسر جديدة، تبدو الأولويات بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب مختلفة تماماً؛ إذ لا تكمن المشكلة في مصاريف الزواج وحدها، بل في غياب فرص الشغل، وانعدام الدخل القار لدى كثيرين، والارتفاع المتواصل لتكاليف الكراء والمعيشة، وهي عوامل تجعل تأسيس أسرة مستقرة حلماً مؤجلاً بالنسبة إلى عدد كبير من الشباب.
فهل تكفي 5000 درهم لفتح أبواب الزواج، إذا كان الشاب لا يتوفر أصلاً على عمل قار يضمن له مصاريف الشهر المقبل؟
هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه على الحكومة الجديدة، خصوصاً أن تصريحها يقر صراحة بأن هشاشة الأسر ترتبط، في المقام الأول، بأسباب اقتصادية تتصل بالسكن والشغل وغلاء المعيشة. وهو إقرار يعيد النقاش إلى جوهر الأزمة: هل المطلوب تقديم مساعدة مالية لمرة واحدة، أم إطلاق سياسة اقتصادية واجتماعية تضمن للشباب دخلاً منتظماً وقدرة فعلية على تحمل مسؤولية الأسرة؟
فمبلغ 5000 درهم قد يساعد بعض المقبلين على الزواج في تغطية جزء من المصاريف الأولية، لكنه لا يوفر سكناً، ولا يضمن أداء الكراء، ولا يخلق منصب شغل، ولا يمنح الشاب القدرة على مواجهة الالتزامات اليومية التي تبدأ مباشرة بعد انتهاء مراسم الزواج. وبعبارة أوضح، فإن الدعم المالي مهما كانت أهميته يظل محدود الأثر ما لم يواكبه استقرار مهني واجتماعي.
ولا يتعلق الأمر برفض مساعدة الشباب، بل بالتساؤل عن جدواها إذا لم تكن جزءاً من برنامج متكامل يجعل التشغيل في صدارة الأولويات. فالشاب المغربي لا ينتظر من الحكومة أن تمنحه 5000 درهم ثم تتركه لمواجهة مصاريف الحياة بمفرده؛ إنه يريد فرصة عمل حقيقية، وأجراً شهرياً مستقراً، وسكناً في متناول قدرته الشرائية، حتى يتمكن من الزواج دون أن يدخل الحياة الأسرية مثقلاً بالخوف من البطالة والعجز عن تلبية الحاجيات الأساسية.
وفي المقابل، تعهدت حكومة المنصوري باعتماد سياسة مندمجة لفائدة الطفولة والشباب والأشخاص المسنين، وتعزيز حماية النساء والأطفال، وتقوية الروابط الأسرية والتضامن بين الأجيال، إلى جانب تنظيم خدمات الرعاية والمساعدة المنزلية وإحداث مهن المساعد الأسري وتأطيرها. وهي أهداف اجتماعية تكتسب أهميتها من ارتباطها المباشر باستقرار المجتمع، غير أن نجاحها سيظل رهيناً بمدى ترجمتها إلى إجراءات ملموسة ونتائج قابلة للقياس.
كما أن تشجيع الأسر على رعاية الوالدين وتعزيز التضامن بين الأجيال يقتضي بدوره تخفيف الضغوط الاقتصادية التي تعيشها الأسر، بدل الاكتفاء بالدعوة إلى التضامن في ظل ظروف تجعل الكثير من العائلات عاجزة عن تغطية احتياجاتها الأساسية.
المطلوب من حكومة المنصوري ليس فقط تشجيع الشباب على الزواج، بل تمكينهم من الشروط التي تجعل الزواج ممكناً والاستمرار فيه كريماً ومستقراً. فالمساعدة المالية قد تكون بداية، لكنها لا يمكن أن تتحول إلى بديل عن التشغيل، ولا إلى جواب نهائي عن أزمة اجتماعية تتجاوز بكثير مصاريف حفل زفاف أو تجهيز منزل.
ولن يقاس نجاح هذا التوجه بعدد الشباب الذين حصلوا على 5000 درهم، بل بمدى قدرة السياسات الحكومية على تقليص البطالة، وتوفير فرص الشغل القار، وتحسين القدرة الشرائية، وتيسير الولوج إلى السكن. أما من دون ذلك، فسيظل السؤال قائماً: كيف تطلب الحكومة من الشباب بناء أسر جديدة، بينما لا تزال شروط الاستقرار المادي بعيدة المنال بالنسبة إلى كثير منهم؟
20/10/2026