لم يعد الحديث عن القوة العسكرية المغربية في الصحافة الإسبانية والأوروبية مجرد استعراض عابر للأرقام أو مقارنة تقنية بين ترسانتين عسكريتين، بل تحول إلى نقاش استراتيجي يعكس حجم التحولات الجارية جنوب مضيق جبل طارق، حيث تتقدم المملكة المغربية بخطوات متسارعة نحو بناء قوة عسكرية أكثر تطورا وتنوعا، في وقت تجد فيه إسبانيا نفسها مطالبة بإعادة تقييم حساباتها الدفاعية، ليس لأن ميزان القوى انقلب بالكامل، بل لأن المعادلة التي اعتادت مدريد الاطمئنان إليها لم تعد ثابتة كما كانت.
تقرير “يورونيوز” يقدم صورة مركبة لهذا السباق، ويقر بتفوق إسبانيا في الإنفاق الدفاعي والقوة البحرية وحجم الأسطول الجوي، لكنه يكشف، في المقابل، عن مؤشرات لا يمكن تجاهلها في مسار تحديث القوات المسلحة الملكية، من المقاتلات الأمريكية المتطورة إلى أنظمة الدفاع الجوي وراجمات الصواريخ، مرورا بتوسيع القدرات البرية وتعزيز التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، وصولا إلى طموح بناء قاعدة صناعية دفاعية داخل المغرب. إنها مؤشرات تقول إن الرباط لا تراهن على الضجيج الإعلامي، بل على إعادة تشكيل أدوات القوة وفق رؤية بعيدة المدى.
غير أن بعض القراءات الإسبانية ما زالت أسيرة المقارنة الحسابية المباشرة، وكأن التفوق العسكري يمكن اختزاله في حجم الميزانية أو عدد السفن والطائرات. فالقوة العسكرية الحديثة لا تقاس بما تملكه الدول فحسب، وإنما بمدى جاهزية معداتها، وقدرتها على دمج أنظمتها، وكفاءة مواردها البشرية، وفعالية منظومات القيادة والسيطرة، فضلا عن طبيعة التحالفات التي تسندها والقدرة على الاستمرار في التحديث والإنتاج والصيانة. ومن هذه الزاوية تحديدا، يكتسب المسار المغربي دلالته الاستراتيجية، لأنه يستهدف تطوير عناصر القوة مجتمعة، لا الاكتفاء بتكديس الأسلحة في المستودعات.
صحيح أن الأرقام التي أوردها التقرير تضع الإنفاق الدفاعي الإسباني لسنة 2025 عند نحو 34.3 مليار يورو، مقابل قرابة 5.6 مليارات يورو للمغرب، لكن تحويل هذا الفارق إلى حكم نهائي على موازين القوة يمثل تبسيطا مخلا بطبيعة المنافسة العسكرية. فإسبانيا تتحرك انطلاقا من اقتصاد أكبر بكثير، وداخل منظومة دفاعية أوروبية وأطلسية راسخة، بينما يطور المغرب قدراته وفق أولويات جغرافية واستراتيجية مختلفة، واضعا أمن حدوده ووحدته الترابية ومصالحه البحرية ضمن حساباته الأساسية. لذلك، فإن المقارنة المجردة بين الميزانيتين لا تكفي لتفسير مسار التطور العسكري المغربي ولا لتحديد نتائجه المستقبلية.
والأهم أن التقرير نفسه يصحح خلطا متداولا بشأن نسبة الإنفاق العسكري المغربي، موضحا أن تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام تضعه عند نحو 3.54 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2025، وليس عشرة في المائة كما تروج بعض القراءات. أما النسبة الأخيرة فتتعلق بوزن الإنفاق العسكري ضمن الإنفاق العمومي، وهو فرق جوهري يكشف أن النقاش الجاد حول الدفاع يحتاج إلى دقة في قراءة المؤشرات، لا إلى أرقام مثيرة يجري تداولها خارج سياقها.
على مستوى الموارد البشرية، تبدو الصورة أكثر تعقيدا بالنسبة إلى مدريد. فالتقديرات الواردة في التقرير تشير إلى امتلاك المغرب ما بين 195 ألفا و200 ألف عسكري في الخدمة الفعلية، مقابل نحو 116.7 ألف عسكري إسباني في مطلع سنة 2025. وهذا الفارق يمنح القوات المسلحة الملكية قاعدة بشرية أوسع، وإن كان عدد الجنود وحده لا يحسم التفوق، لأن التدريب والتجهيز والجاهزية والقدرة على الانتشار عوامل لا تقل أهمية. كما أن إعادة العمل بالخدمة العسكرية في المغرب منذ سنة 2019 تعكس توجها نحو تعزيز التأطير العسكري وتوسيع قاعدة التأهيل، في إطار منظومة تستند إلى عقيدة دفاعية ومؤسسات عسكرية راسخة.
وفي السماء، تتجه الأنظار إلى المقاتلات من طراز F-16 Block 72، التي تشكل إحدى أبرز حلقات تحديث القوات الجوية الملكية. فدخول هذه الطائرات إلى الخدمة، بعد استكمال إجراءات التسليم والاختبارات، من شأنه تعزيز قدرات المغرب الجوية، خصوصا عندما يقترن ذلك بتحديث المقاتلات الموجودة وتطوير منظومات الاستشعار والاتصال والتسليح. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد اقتناء طائرات جديدة، بل ببناء منظومة متكاملة تتطلب تكوينا متخصصا وصيانة مستمرة وذخائر متطورة وتنسيقا فعالا بين مختلف مكونات القوات المسلحة.
وفي المقابل، تواجه إسبانيا تحديات تتعلق بمستقبل أسطولها الجوي، في ظل تأخر بعض البرامج وتعثر مشروع المقاتلة الأوروبية المستقبلية FCAS، بعد الخلافات التي عصفت بالتعاون الصناعي بين باريس وبرلين. ولا يعني ذلك أن التفوق الجوي الإسباني قد انتهى، أو أن المغرب أصبح يمتلك قدرة مماثلة في جميع المجالات، لكنه يسلط الضوء على حقيقة استراتيجية واضحة: الاحتفاظ بالتفوق يتطلب استمرارية في الاستثمار والتحديث، وليس الاتكاء على مكتسبات الماضي.
أما القوات البرية، فهي المجال الذي تظهر فيه ملامح التطور المغربي بوضوح أكبر، خاصة في تنويع الدبابات وناقلات الجنود المدرعة وأنظمة المدفعية الصاروخية. ويشير التقرير إلى تشغيل المغرب دبابات أبرامز الأمريكية، والعمل على تعزيز قدراته في مجال راجمات الصواريخ، بما في ذلك منظومات PULS الإسرائيلية، مع موافقة الولايات المتحدة على بيع 18 منصة HIMARS. وإذا اكتملت هذه البرامج وفق الجداول المعلنة، فإنها ستمنح القوات البرية المغربية خيارات إضافية في مجال النيران بعيدة المدى، وهو مجال تراجعت فيه القدرات الإسبانية بعد إخراج راجمات “تيرويل” من الخدمة سنة 2011، بينما لا يزال البرنامج الإسباني البديل بحاجة إلى استكمال مساره.
وتزداد أهمية هذا التحول عندما يقترن بالتصنيع المحلي، إذ لم يعد الهدف المغربي مقتصرا على شراء المعدات من الخارج، بل يتجه تدريجيا إلى توطين بعض الصناعات الدفاعية، وتطوير قدرات التجميع والإنتاج والصيانة. فالدولة التي تنتج جزءا من احتياجاتها العسكرية وتؤهل كفاءاتها التقنية تقلل اعتمادها الخارجي على المدى الطويل، وتكتسب هامشا أوسع في اتخاذ القرار، فضلا عن خلق فرص صناعية وتكنولوجية جديدة. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تستوقف مدريد أكثر من أي ترتيب رقمي في التصنيفات الدولية، لأن المنافسة الحقيقية لا تتعلق بما يدخل الترسانة اليوم فقط، وإنما بما تستطيع الدولة تطويره وإدامته وإنتاجه غدا.
ومع ذلك، تظل البحرية الإسبانية صاحبة التفوق الأوضح في المقارنة الحالية. فامتلاك فرقاطات متقدمة وسفن إنزال وقيادة، إلى جانب برنامج غواصات حديث، يمنح مدريد قدرات بحرية لا يملك المغرب ما يعادلها بالكامل حتى الآن. وهذه حقيقة لا تنتقص من التطور المغربي، بل تحدد بدقة أحد المجالات التي لا تزال فيها الفجوة قائمة. فالتوازن العسكري ليس مباراة دعائية يعلن فيها طرف انتصاره قبل الأوان، وإنما مسار طويل يتطلب قراءة واقعية لمكامن القوة ومواطن النقص، وتطوير القدرات وفقا للاحتياجات الاستراتيجية الفعلية.
لكن الصورة لا تكتمل من دون العامل الأمريكي، الذي يشكل أحد أهم عناصر التحول في الشراكة الدفاعية المغربية. فخارطة الطريق العسكرية بين الرباط وواشنطن للفترة 2026-2036، بحسب التقرير، تعكس توجها نحو تعميق التعاون في مجالات التدريب والتجهيز والتنسيق العملياتي. كما أن الحديث عن اختبار منظومة الاتصالات التكتيكية Link-16، وعن توجه أمريكي لتعزيز مكانة المغرب شريكا عسكريا رئيسيا في إفريقيا، يضع هذا التعاون في سياق أوسع من مجرد صفقات السلاح. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين ما أُعلن رسميا، وما ورد في تقارير بشأن خطط مستقبلية، وما لا يزال يحتاج إلى موافقات وإجراءات قبل اعتباره أمرا محسوما.
وفي هذا السياق، يظل الحديث عن اقتناء المغرب مقاتلات F-35 في إطار الاحتمالات والتكهنات الإعلامية ما لم يصدر إعلان رسمي يؤكد الصفقة. فالفارق بين دراسة خيار تسليحي والتعاقد عليه فارق أساسي في التحليل العسكري، كما أن قيمة أي صفقة لا تكمن في اسم السلاح وحده، وإنما في شروط التشغيل والتدريب والتسليح والصيانة والاندماج ضمن المنظومة الدفاعية الوطنية.
أما تصنيف “غلوبال فاير باور” الذي يضع إسبانيا في المرتبة الثامنة عشرة عالميا والمغرب في المرتبة السادسة والخمسين، فلا يصلح وحده لتقديم حكم نهائي على موازين القوة. فالتصنيفات التي تجمع عشرات المؤشرات في ترتيب واحد لا تستطيع بالضرورة قياس الجاهزية الفعلية أو جودة القيادة أو كفاءة التنسيق العملياتي، كما أن المنهجيات التي لا تتيح تدقيقا مستقلا كاملا تستدعي الحذر عند التعامل مع نتائجها. والأكثر دلالة هو اتجاه التطور نفسه: المغرب يتحرك نحو تحديث ترسانته وتنويع شركائه وتعزيز صناعاته الدفاعية، بينما تواجه إسبانيا بدورها تحديات مرتبطة بتجديد بعض قدراتها وتجاوز تعثر عدد من برامجها المستقبلية.
ولا ينبغي أن يتحول هذا السباق إلى خطاب عدائي أو إلى تصوير المغرب وإسبانيا باعتبارهما على أبواب مواجهة عسكرية. فالعلاقات بين البلدين تتشابك فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والبحرية والتجارية، وتظل إدارة الخلافات بالحوار والتعاون خيارا أكثر عقلانية من تغذية المخاوف المتبادلة. لكن التعاون لا يعني التخلي عن اليقظة، كما أن الشراكة لا تلغي حق المغرب في تعزيز قدراته الدفاعية وصيانة سيادته وحماية مصالحه الاستراتيجية.
وفي خلفية هذه الحسابات، تبرز قضية سبتة ومليلية المغربيتين المحتلتين بوصفها أحد الملفات التاريخية والسياسية الحساسة في العلاقات الثنائية. غير أن أي قراءة مسؤولة للمعادلة العسكرية يجب أن تفصل بين المطالب السيادية المشروعة للمغرب وبين التقديرات التقنية لقدرات الجيشين، وألا تحول المقارنة العسكرية إلى ذريعة للتصعيد أو إلى وسيلة لتسويق سيناريوهات المواجهة. فالقوة الحقيقية للدولة لا تتجسد في السلاح وحده، بل في قدرتها على الدفاع عن مصالحها بثبات، وإدارة علاقاتها الخارجية بذكاء، وتجنب الانزلاق إلى صراعات لا تخدم شعوب المنطقة.
الخلاصة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب لم يعد مجرد مستهلك للسلاح ينتظر ما تسمح به الأسواق الخارجية، بل يتجه إلى بناء منظومة دفاعية أكثر تنوعا، تجمع بين التحديث والتدريب والشراكات الاستراتيجية والتصنيع المحلي. ولا يعني ذلك أن المملكة تجاوزت جميع الفوارق مع إسبانيا، خصوصا في المجال البحري، لكنه يعني أن الفجوة لم تعد مبررا للركون إلى الاطمئنان القديم. فمدريد قد تحتفظ اليوم بأفضلية واضحة في عدد من المجالات، غير أن الرباط تعمل على تغيير معادلات الغد بصبر وتدرج.
وهنا تكمن الرسالة الأهم: ليس مطلوبا من المغرب أن يدخل سباقا استعراضيا مع إسبانيا، ولا أن يطارد ترتيبا في قائمة دولية، بل أن يبني قوة دفاعية متوازنة قادرة على حماية وحدته الترابية ومصالحه الوطنية، وأن يجعل من الاستثمار في التكنولوجيا والصناعة والتكوين رافعة لاستقلال قراره الاستراتيجي. أما من يختزل صعود المغرب في أرقام الميزانيات أو يحاول حصره في مقارنة جامدة مع جاره الشمالي، فإنه يتجاهل أن موازين القوة لا تبقى ثابتة، وأن الدول التي تستثمر في المستقبل هي التي تفرض حضورها في معادلاته.
20/10/2026