لم تعد الاختلالات التي تتحدث عنها نقابة المتصرفين التربويين بالناظور مجرد ملاحظات عابرة بشأن تدبير الشأن التعليمي، بل تحولت، وفق ما ورد في بيانها، إلى اتهامات ثقيلة تضع طريقة تدبير المؤسسات التعليمية بالمديرية الإقليمية للتربية الوطنية بالناظور أمام اختبار حقيقي للمسؤولية والمحاسبة. فمن إغلاق مؤسسات تعليمية رغم ظهور الأشغال بها، إلى تعثر تجهيز مؤسسات أخرى، مروراً بخصاص في الموارد البشرية واستمرار اختلالات التدبير، تبدو الصورة التي ترسمها النقابة أبعد ما تكون عن خطاب الإصلاح الذي ترفعه الوزارة في كل مناسبة.
البيان، الصادر عن المكتب الإقليمي للنقابة، لم يكتف بتسجيل الأعطاب، بل اختار لغة تصعيدية واضحة، واضعاً ما وصفه بـ”العبث التدبيري والإقصاء الممنهج” في صلب المواجهة، ومعتبراً أن كرامة المتصرف التربوي أصبحت خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. وهي لهجة تكشف حجم الاحتقان داخل القطاع، وتطرح أسئلة محرجة حول طبيعة العلاقة بين المسؤولين الإداريين والأطر المكلفة فعلياً بتدبير المؤسسات التعليمية.
وتذهب النقابة إلى أن التدبير بالإقليم بات محكوماً، بحسب تشخيصها، بممارسات تفتقر إلى الشفافية وتكافؤ الفرص، مع تسجيل اختلالات تمس المصالح والمكاتب الإدارية، وتثير شكوكاً بشأن معايير إسناد المسؤوليات واحترام الاختصاصات والمساطر القانونية. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر لا يتعلق بخلاف مهني عابر، بل بمشكلة تدبيرية تستوجب توضيحات رسمية، لأن الإدارة العمومية ليست مجالاً للتصرف وفق الأهواء أو لتصفية الحسابات، وإنما مرفق تحكمه قواعد المسؤولية وربطها بالمحاسبة.
الأكثر إثارة للقلق هو ما أوردته النقابة بشأن الدخول المدرسي للموسم 2027/2026، من استمرار إغلاق مؤسسات تعليمية، وتعثر أشغال بمؤسسات أخرى، ووجود خصاص في الموارد البشرية، إلى جانب مؤسسات لم تلتحق أطقمها بمواقع العمل في الوقت المطلوب. وهي معطيات، إن تأكدت رسمياً، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تفاصيل تقنية، لأن ضحيتها الأولى هي التلميذ الذي يجد نفسه أمام مدرسة غير مكتملة الجاهزية، وأطر تشتغل وسط ظروف صعبة، وأسر تنتظر من المدرسة العمومية أن توفر الحد الأدنى من الاستقرار والجودة.
فأي إصلاح تعليمي يمكن الحديث عنه عندما تصبح جاهزية المؤسسات موضوع احتجاج نقابي؟ وأي حديث عن تجويد التعلمات يستقيم إذا كانت مشاكل التجهيز والتدبير والموارد البشرية لا تزال حاضرة مع انطلاق الموسم الدراسي؟ إن الشعارات الرسمية لا يمكنها أن تحجب واقع الميدان، كما أن لغة البلاغات لا تعوض معالجة الاختلالات، ولا توفر للمؤسسات التعليمية ما تحتاج إليه من موارد ووسائل وظروف عمل ملائمة.
وفي جانب أكثر حساسية، اتهمت النقابة المسؤولين المعنيين بالتضييق على المتصرفين التربويين واستهداف كرامتهم المهنية، محذرة من تحميلهم مسؤولية اختلالات لا يملكون، بحسب موقفها، سلطة اتخاذ القرارات المرتبطة بها. كما رفضت ما اعتبرته تدخلاً في اختصاصات الأطر الإدارية والتربوية، واعتبرت أن استمرار هذا النهج من شأنه تقويض مبدأ المسؤولية الإدارية، وتحويل المتصرف التربوي إلى واجهة لتحمل تبعات قرارات لا يشارك في صنعها.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن القفز عليه: هل يتعلق الأمر باختلاف في وجهات النظر حول تدبير المؤسسات، أم أن هناك بالفعل تجاوزات في توزيع الاختصاصات وإسناد المسؤوليات؟ الجواب لا ينبغي أن يصدر عن طرف واحد، بل يتطلب توضيحاً رسمياً من المديرية الإقليمية، وفتح المجال أمام افتحاص موضوعي للوقائع المحددة، بعيداً عن منطق الاتهام المتبادل أو الاكتفاء بنفي عام لا يبدد الشكوك.
كما انتقدت النقابة ما وصفته بتداخل الاختصاصات والتدخل في مهام الأطر الإدارية، فضلاً عن تعثر الحوار المؤسساتي وعدم التجاوب مع مطالبها. واعتبرت أن استمرار إغلاق أبواب النقاش لن يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الاحتقان، خصوصاً في ظل مطالب تتعلق بتسوية الملفات العالقة، وتوفير التجهيزات والوسائل الضرورية لتسيير المؤسسات، ومعالجة الاختلالات المرتبطة بالتعويضات والمهام الإدارية.
وفي هذا السياق، أثار البيان مسألة تأخر صرف تعويضات مستحقة للمتصرفين التربويين، مطالباً بمراجعة قيمتها وتسوية الملفات المتراكمة. كما دعا إلى معالجة وضعية مؤسسات مشروع الريادة، وتسريع توفير المعدات والوسائل اللازمة لتدبير المؤسسات التعليمية، وتسوية الملفات المرتبطة بالموارد البشرية والتجهيزات، وضمان انتظام الخدمات المدرسية، بما فيها خدمات المطعمة والحراسة الليلية بالمؤسسات المعنية.
ولم تقف المطالب عند الجانب الإداري والمالي، إذ أعلنت النقابة رفضها ما اعتبرته إقصاءً من الحوار، ودعت إلى معالجة الملفات العالقة عبر لقاءات مؤسساتية جدية، بدل الاستمرار في نهج الانفراد بالقرار. كما أعلنت عزمها تنظيم ندوة صحفية لعرض المعطيات التي تتحدث عن اختلالات في التدبير بالإقليم، مع الدعوة إلى إنزال احتجاجي أمام مقر المديرية الإقليمية بالناظور يوم الخميس 12 نونبر 2026، ابتداءً من الساعة الحادية عشرة صباحاً، وفق ما ورد في البيان.
إن أخطر ما في هذا التصعيد ليس ارتفاع نبرة الخطاب النقابي، بل احتمال أن تكون المؤسسات التعليمية نفسها عالقة بين اختلالات التدبير وانسداد قنوات الحوار. فحين تتحول العلاقة بين الإدارة والأطر المكلفة بتسيير المدارس إلى ساحة للتجاذب، يصبح استقرار المرفق العمومي مهدداً، ويجد التلميذ نفسه في نهاية المطاف أمام فاتورة نزاع لم يكن طرفاً فيه.
ومع ذلك، فإن خطورة الاتهامات تفرض التعامل معها بمنطق الدقة والإنصاف، لا بمنطق الأحكام المسبقة. فالبيان يعكس موقف نقابة ويعرض روايتها للأحداث، لكنه لا يشكل وحده دليلاً نهائياً على ثبوت جميع الاختلالات المعلن عنها. ومن واجب المديرية الإقليمية أن تقدم توضيحات مفصلة بشأن القضايا المثارة، وأن تكشف للرأي العام ما اتخذته من إجراءات لمعالجة مشاكل الدخول المدرسي، وتسوية الملفات المهنية، وضمان احترام الاختصاصات والمساطر القانونية.
أما تجاهل هذه المطالب أو الاكتفاء بردود عامة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة، خصوصاً أن الأمر يتعلق بمرفق عمومي لا يحتمل المزيد من التوتر. فالمسؤولية الإدارية ليست امتيازاً يمنح صاحبه سلطة القرار دون مساءلة، كما أن العمل النقابي لا ينبغي أن يتحول إلى غاية في حد ذاته، بل إلى مدخل لمعالجة الاختلالات وحماية الحقوق وضمان السير العادي للمؤسسات.
وتجد الناظور اليوم نفسها أمام اختبار حقيقي للشفافية والمحاسبة، فإما أن تتحول هذه الاتهامات إلى مدخل لفتح الملفات وتوضيح الحقائق وترتيب المسؤوليات، وإما أن يستمر الاحتقان في التفاقم داخل قطاع يفترض أن يكون نموذجاً في التنظيم والانضباط وحسن التدبير. وفي خضم هذا التجاذب، لا يجوز أن يدفع التلاميذ والأطر التعليمية ثمن خلافات إدارية لا دخل لهم فيها، بينما تظل الأسئلة معلقة والإجابات غائبة.
22/10/2026