في الوقت الذي لا تزال فيه بعض الأوساط الإسبانية تتعامل مع التطور العسكري المغربي بمنطق التوجس والحسابات القديمة، تبرز معطيات جديدة بشأن مفاوضات محتملة بين الرباط وتل أبيب لاقتناء منظومة “مقلاع داود” المضادة للصواريخ والطائرات المسيّرة، في خطوة من شأنها، إذا تحققت، أن تعزز قدرات الدفاع الجوي المغربي وترفع مستوى الاستعداد لمواجهة التهديدات المتطورة. إنها حلقة جديدة في مسار تحديث عسكري لم يعد مجرد طموح معلن، بل أصبح عنواناً لتحول استراتيجي يفرض نفسه على حسابات المنطقة.
كشف موقع إسباني متخصص في شؤون الدفاع والأمن أن المغرب يتفاوض بشأن اقتناء هذه المنظومة التي طورتها شركة “رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة” الإسرائيلية، بالتعاون مع شركة “رايثيون” الأمريكية، التابعة لمجموعة “RTX”. ونقل الموقع عن معطيات نشرتها الصحافة الدفاعية الألمانية أن الاتصالات بشأن احتمال تزويد المملكة بهذا النظام تتقدم، دون تقديم تفاصيل رسمية عن المفاوضات أو موعد محتمل لإبرام الصفقة.
وبينما ينبغي التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها تقارير عن مفاوضات محتملة، لا إعلاناً رسمياً عن إتمام الصفقة، فإن مجرد تداولها يكشف حجم التحول الذي تعرفه القدرات الدفاعية المغربية، ويعيد إلى الواجهة سؤالاً يزداد إلحاحاً: كيف ستتعامل إسبانيا مع جار جنوبي يواصل تحديث ترسانته، وتنويع مصادر تسليحه، وتطوير قدراته على حماية مجاله الجوي؟
منظومة “مقلاع داود”، المعروفة دولياً باسم David’s Sling، مصممة لاعتراض طيف واسع من التهديدات، من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز إلى القذائف والطائرات، بما فيها الطائرات المسيّرة، على مسافات تتراوح بين 40 و300 كيلومتر، وفق المواصفات الواردة في التقرير الإسباني. وإذا دخلت هذه المنظومة الخدمة ضمن شبكة دفاع جوي مغربية متكاملة، فإنها ستضيف طبقة مهمة إلى قدرات التصدي للتهديدات المتوسطة والبعيدة المدى، مع تعزيز التكامل بين الرصد والتعقب والاعتراض.
وليس هذا التوجه وليد اليوم. فمنذ استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020، وتوقيع الاتفاق العسكري بين البلدين في نوفمبر 2021، اتجه التعاون الدفاعي نحو مجالات متعددة، شملت اقتناء معدات وأنظمة عسكرية متطورة، إلى جانب مشاريع مرتبطة بالصناعة الدفاعية. وكان الحديث عن اهتمام مغربي بمنظومة “القبة الحديدية” قد ظهر في وقت سابق، غير أن الصفقة لم تتحقق، وفق ما أورده التقرير نفسه.
لكن الرباط لم تتوقف عند خيار واحد، ولم تجعل تحديث دفاعاتها رهيناً بمنظومة بعينها. فقد أشار التقرير الإسباني إلى امتلاك المغرب أنظمة إسرائيلية أخرى، من بينها “باراك إم إكس” و”سبايدر” للدفاع الجوي، وراجمة الصواريخ “بولس”، ومدفع “أتموس”. وتندرج هذه المقتنيات ضمن مسار أوسع لتطوير القدرات العسكرية، مع تنويع الشراكات ومصادر التكنولوجيا، بما يمنح المملكة هامشاً أكبر في بناء منظومة دفاعية متعددة المهام.
أما صاروخ “ستنر”، الذي يشكل العنصر الاعتراضي الأساسي في منظومة “مقلاع داود”، فيبلغ طوله نحو 4.6 أمتار، ويعتمد على نظام توجيه يجمع بين مستشعرات كهروضوئية وأشعة تحت الحمراء ورادار نشط، فضلاً عن الاستفادة من البيانات التي توفرها رادارات متقدمة، من بينها الرادار متعدد المهام “ELM-2084”. ويتيح هذا التكامل تتبع الأهداف وتعديل مسار الصاروخ أثناء الطيران، حتى في ظروف التشويش الإلكتروني أو تراجع الرؤية.
ووفق المواصفات التي أوردها التقرير، تصل سرعة الصاروخ إلى 7.5 ماخ، ويعتمد في تدمير الهدف على الاصطدام المباشر عالي السرعة، بدلاً من الاعتماد حصراً على رأس حربي متفجر. وهي تقنية تعكس التطور الذي بلغته أنظمة الاعتراض الحديثة، حيث لم تعد فعالية الدفاع الجوي تُقاس بعدد الصواريخ المتوفرة فحسب، بل بقدرة الرادارات ومراكز القيادة والصواريخ الاعتراضية على العمل ضمن شبكة متكاملة وسريعة الاستجابة.
وفي مدريد، يصعب تجاهل الدلالات الاستراتيجية لتراكم هذه القدرات، خصوصاً في ظل التقارب الجغرافي والتداخل المستمر بين المصالح الأمنية للبلدين. غير أن تحويل كل صفقة تسليح مغربية إلى مصدر للهلع، أو تقديمها باعتبارها تهديداً تلقائياً لإسبانيا، لن يغير من حقيقة أساسية: تحديث القدرات الدفاعية حق سيادي للدول، ولا يمكن اختزاله في نظرة تقوم على افتراض أن المغرب ينبغي أن يظل محكوماً بسقف عسكري تحدده حسابات الآخرين.
والأكثر إثارة للتأمل أن بعض القراءات الإسبانية تبدو وكأنها تريد للمغرب أن يظل في موقع المتلقي، لا الدولة التي تخطط وتفاوض وتختار شركاءها وفق تقديرها لمصالحها الأمنية. لكن المملكة، وهي توسع تعاونها الدفاعي مع شركاء متعددين، تبعث برسالة واضحة مفادها أن أمنها القومي ليس موضوعاً للمساومة، وأن تطوير وسائل حماية مجالها الجوي جزء من استراتيجية أوسع لتعزيز الردع والاستعداد لمختلف السيناريوهات.
ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لأي منظومة دفاعية لا تكمن في اسمها أو في الأرقام المتداولة بشأن مداها وسرعتها، بل في شروط اقتنائها، وكلفة تشغيلها، وقدرة القوات المسلحة على دمجها وصيانتها، ومدى انسجامها مع بقية الأنظمة. كما أن الحديث عن “مقلاع داود” يظل، في الوقت الراهن، مرتبطاً بتقارير عن مفاوضات محتملة، لا بصفقة مغربية إسرائيلية معلنة ونهائية.
وبينما تُنتظر تفاصيل إضافية لتأكيد مآل هذه المفاوضات، يبدو أن الرسالة الأهم لا تتعلق بصاروخ بعينه، بل بمسار كامل لتحديث القدرات الدفاعية المغربية. فالمملكة لا تكتفي بمراقبة التحولات العسكرية من حولها، بل تعمل على بناء خياراتها وتوسيع شراكاتها، في وقت لم يعد فيه التفوق الدفاعي يُقاس بالخطابات أو بالضجيج الإعلامي، وإنما بالقدرة على التخطيط والتحديث وامتلاك أدوات الردع.
أما من يصر على قراءة كل تطور عسكري مغربي باعتباره مفاجأة غير مرغوب فيها، فربما عليه أن يتصالح مع حقيقة أن المغرب لم يعد يقبل أن تُرسم حدود طموحه الاستراتيجي من خارج حدوده. وإذا تأكدت صفقة “مقلاع داود”، فستكون حلقة أخرى في هذا المسار المتواصل، ولا يبدو أن حسابات التوجس في الضفة الشمالية قادرة على إيقافه.
22/10/2026