في تحول جديد يعكس تسارع مسار تحديث القدرات الدفاعية للمملكة المغربية، تتجه القوات المسلحة الملكية إلى إعادة تأهيل أسطول دبابات “إم 60” عبر برنامج عسكري متقدم يحمل اسم “سابرا إم كيه 2″، يتضمن استبدال المدافع الأصلية بأخرى من عيار 120 ملم، وتركيب محركات بقوة ألف حصان، إلى جانب تطوير أنظمة الرصد والتصويب والتدريع والاتصالات. ولا يقتصر هذا المشروع على تحديث العتاد العسكري، بل تكتسبه أهمية إضافية من خلال تنفيذ أشغاله داخل المغرب، في خطوة تفتح المجال أمام تعزيز الخبرات المحلية وتوسيع قاعدة الصناعة الدفاعية الوطنية.
ووفق تقرير نشره موقع متخصص، تكشف الصور المتداولة من ورشات التحديث عن استبدال المدفع الأصلي ذي عيار 105 ملم بمدفع أملس من طراز “إم جي 253″، عيار 120 ملم، بطول سبطانة يبلغ 44 عياراً، بما يعزز القوة النارية للدبابة ويمنحها قدرة أكبر على استخدام ذخائر حديثة مضادة للدروع. ويتزامن ذلك مع اعتماد محرك جديد بقوة ألف حصان، بهدف تحسين الحركة والأداء وتعويض محدودية منظومة الدفع السابقة.
ولا تقف عملية التطوير عند المدفع والمحرك، إذ تشمل الخطة إعادة تصميم البرج، وتعزيز التدريع، وإدماج أنظمة للرؤية الحرارية، وحاسوب باليستي حديث، وتجهيزات متطورة للتحكم في إطلاق النار، فضلاً عن تحديث وسائل الاتصال. ومن شأن هذه التعديلات أن تمنح الدبابات المعنية قدرات قتالية أكثر تطوراً، وتساعد على تكييف منصات تعود إلى أجيال سابقة مع متطلبات ساحة المعركة الحديثة، بدلاً من استبدالها بالكامل.
وبحسب المعطيات التي أوردها التقرير، انطلقت أعمال التحديث قبل أكثر من عام، ومن المنتظر أن تشمل الدبابات المعنية بالبرنامج، في ما قد يشكل أكبر عملية تطوير للقدرات المدرعة المغربية منذ إدخال دبابات “أبرامز” الأمريكية إلى الخدمة. غير أن الصور المتاحة تُظهر مرحلة وسيطة من الأشغال؛ إذ ظهرت بعض الدبابات بالمدفع والمحرك الجديدين، بينما لا تزال تجهيزات أخرى، بما فيها التحسينات المرتبطة بالبرج والحماية الإضافية، ضمن مراحل الاستكمال.
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأن أعمال التحديث تُنفذ داخل الأراضي المغربية، بالتعاون مع شركة الصناعات العسكرية الإسرائيلية، المعروفة اختصاراً باسم “آي إم آي”، في سياق تعاون دفاعي تعزز بعد استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020 وتوقيع اتفاق للتعاون العسكري سنة 2021. ويعكس هذا التوجه سعياً إلى الاستفادة من الخبرة الخارجية، بالتوازي مع توطين جانب من أعمال الصيانة والتحديث والتجميع، بما يمنح المملكة هامشاً أكبر في تدبير احتياجاتها الدفاعية.
وتستند هذه المقاربة إلى تجارب دولية سابقة، أبرزها التجربة التركية التي شملت تحديث 170 دبابة من طراز “إم 60 إيه 1″، ضمن مشروع أفضى إلى تطوير نسخة “إم 60 تي”، المزودة بمدفع عيار 120 ملم ومحرك بقوة ألف حصان وأنظمة حماية وتصويب مطورة. وتوضح هذه التجربة أن الدبابات القديمة نسبياً يمكن أن تستعيد جانباً مهماً من قدراتها عبر تحديث شامل ومدروس، شريطة مراعاة أثر الوزن الإضافي على الحركة والأداء.
وعلى المستوى الصناعي، يسلط التقرير الضوء على شركة “الصناعات العسكرية المغربية”، المعروفة اختصاراً باسم “إم إم آي”، والتي يرتبط نشاطها بشراكة مع شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية. وتشير المعطيات المنشورة إلى وجود منشآت صناعية في منطقة ميدبارك بالنواصر، مخصصة لأنظمة الأسلحة وأبراج القتال والمدافع، وأخرى في سيدي يحيى شمال الرباط، موجهة إلى إنتاج الذخائر ذات العيارات المتوسطة والكبيرة.
ويفيد التقرير بأن الشركة تستهدف تسليم أولى المعدات للقوات المسلحة الملكية في حدود مارس 2027، مع اعتمادها على مهندسين وتقنيين مغاربة بنسبة تصل إلى 99 في المائة من طاقمها، وفق تصريحات منسوبة إلى إدارتها. وإذا تأكدت هذه المعطيات وسارت الأشغال وفق الجدول المعلن، فلن يقتصر الرهان على تجميع المعدات، بل سيمتد إلى تكوين الكفاءات الوطنية ونقل الخبرة التقنية اللازمة لتطوير منظومات التسليح وصيانتها مستقبلاً.
وتشير تقديرات أوردها الموقع الإسباني إلى أن المغرب يمتلك نحو 220 دبابة من طراز “إم 60 إيه 1 باتون”، وحوالي 120 دبابة من نسخة “إم 60 إيه 3 باتون”. وتظل هذه المدرعات جزءاً من البنية العملياتية للقوات المسلحة الملكية إلى جانب دبابات “أبرامز”، ما يجعل تحديثها خياراً يروم رفع الجاهزية والاستفادة من المعدات المتوفرة، بدلاً من التخلي عنها رغم إمكانية تطوير قدراتها.
ويكتسب هذا التحديث أهمية إضافية بالنظر إلى متطلبات الانتشار العسكري وحماية القطاعات الاستراتيجية، خصوصاً في المناطق الجنوبية والشرقية. فتعزيز القوة النارية وتحسين الرصد والتصويب والاتصالات، بالتوازي مع تطوير منظومة الدفع، يمكن أن يرفع قدرة هذه الدبابات على أداء مهامها ضمن منظومة قتالية متكاملة، مع بقاء فعاليتها النهائية مرتبطة بجودة تنفيذ التعديلات والتدريب والصيانة ومدى اندماجها مع بقية وحدات القوات المسلحة الملكية.
أما اعتماد مدفع عيار 120 ملم، فيفتح المجال أمام تقارب أكبر في عيار التسليح مع دبابات “أبرامز”، وهو ما قد يوفر مزايا لوجستية في تدبير الذخائر، وإن كان توحيد العيار لا يعني بالضرورة تطابق جميع أنواع الذخيرة أو توافقها الكامل بين مختلف المنظومات. كما يتحدث التقرير عن إمكانية استخدام صاروخ “لاهات” الموجه، الذي يُنسب إليه مدى يصل إلى ثمانية كيلومترات، غير أن تفاصيل التجهيز النهائي للدبابات المغربية ومدى اعتماد هذا الصاروخ لم تُحسم بصورة مستقلة ضمن المعطيات المنشورة.
وبين تحديث المدرعات وتطوير المنشآت الصناعية وتكوين المهندسين والتقنيين، يبرز المشروع باعتباره جزءاً من مسار أوسع لتعزيز القدرات الدفاعية المغربية، يقوم على الجمع بين الاستفادة من التكنولوجيا المتقدمة وتطوير الخبرة المحلية وتحسين استثمار العتاد الموجود. فالقوة العسكرية لا تُقاس فقط بعدد الدبابات أو عيار المدافع، بل أيضاً بقدرة الدولة على صيانة منظوماتها وتطويرها وضمان جاهزيتها، وتقليص الاعتماد على الخارج في المراحل الأساسية من دورة حياتها.
وهكذا، لا يتعلق الأمر بمجرد استبدال مدفع قديم بآخر أكثر قوة، بل بمحاولة منح أسطول “إم 60” عمراً عملياتياً جديداً، وربط تحديث العتاد بتطوير قاعدة صناعية دفاعية داخل المملكة. وإذا استُكملت المراحل المعلنة بنجاح، فقد يشكل البرنامج خطوة إضافية في مسار بناء قدرات مغربية أكثر استقلالية، تجمع بين القوة النارية المتطورة والخبرة التقنية الوطنية والقدرة على مواكبة التحولات المتسارعة في التكنولوجيا العسكرية، في رسالة مفادها أن تحديث القوة الدفاعية لا يبدأ دائماً بشراء دبابات جديدة، بل قد يبدأ بتحويل ما تملكه المملكة إلى منظومات أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
27/10/2026