يبدو أن القلق بشأن مستقبل سبتة ومليلية المحتلتين لم يعد حكراً على الأصوات المغربية التي تتمسك بالحقوق التاريخية للمملكة، بل بدأ يجد طريقه إلى بعض الأقلام الإسبانية نفسها. وهذه المرة، لم تأتِ الرسالة من الرباط، ولا من مسؤول مغربي، وإنما من الكاتب الإسباني خوان إيسلافا غالان، الذي توقع أن تعود المدينتان إلى المغرب في نهاية المطاف، فاتحاً بذلك باباً لنقاش يحرج مدريد، التي اعتادت التعامل مع الوضع القائم كما لو أنه حقيقة أبدية لا يمكن أن تطالها التحولات.
وقال غالان، أحد أبرز كتاب الرواية التاريخية في إسبانيا، في تصريحات نقلتها صحيفة إسبانية، إن “سبتة ومليلية ستصبحان في نهاية المطاف مغربيتين”، متحدثاً عن احتمال المرور بمرحلة من السيادة المشتركة قبل أن تتغير ملامح المدينتين تدريجياً، وصولاً إلى واقع مختلف عما تعرفانه اليوم، بحسب تقديره. ورغم أن الأمر يتعلق بتوقع شخصي لا بموقف رسمي إسباني، فإن دلالته تكمن في أن سيناريو كان يُستبعد من النقاش لدى بعض الأوساط الإسبانية بات يُطرح من داخلها، لا من خارجها.
وهنا تبدأ المفارقة المحرجة لمدريد: فإسبانيا تستطيع أن تكرر تمسكها بالوضع القائم، وأن تتعامل مع المطالب المغربية باعتبارها ملفاً مزعجاً تفضّل تأجيله، لكنها لا تستطيع أن تجعل من التكرار حجة تاريخية، ولا من مرور الزمن ضمانة أبدية لاستمرار أي وضع سياسي. فالاعتياد على واقع معين لا يعني أنه أصبح خارج النقاش، كما أن إدارة مدينة لعقود لا تكفي وحدها لإسكات الأسئلة التاريخية والسياسية المرتبطة بمستقبلها.
ولعل أكثر ما يحرج الخطاب الإسباني هو أن الحديث عن مستقبل الثغرين المحتلين لم يعد محصوراً في المطالب المغربية أو في السجالات الدبلوماسية بين الرباط ومدريد، بل أصبح يطل أيضاً من داخل النقاش الإسباني نفسه. فحين يتحدث كاتب إسباني عن احتمال تغير السيادة مستقبلاً، فإنه لا يقدم قراراً سياسياً ولا يكشف عن اتفاق سري، لكنه يسلط الضوء على سؤال لا تستطيع الشعارات وحدها إغلاقه: هل يمكن لمدريد أن تضمن بقاء الوضع الحالي إلى الأبد، مهما تغيرت موازين القوى والظروف الإقليمية والدولية؟
وذهب غالان إلى الحديث عن احتمال أن تدفع التحولات السكانية والاجتماعية والدولية نحو البحث عن صيغة للسيادة المشتركة. ومهما يكن من أمر هذا السيناريو، فإن النقطة الأهم ليست التسليم به باعتباره مصيراً محتوماً، بل إدراك أن الملفات التاريخية لا تختفي بمجرد وضعها جانباً، وأن تجاهل المطالب المغربية لا يشكل حلاً لها. فالتاريخ لا يلتزم بالروايات السياسية الجاهزة، ولا يمنح أي دولة ضمانة بأن ما اعتادت عليه اليوم سيظل قائماً غداً بالشروط نفسها.
وفي موقف آخر أثار الجدل، اعتبر الكاتب أن الولايات المتحدة قد تميل إلى دعم المغرب في حال نشوب نزاع بين الرباط ومدريد، مستنداً إلى تصوره لطبيعة العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن والرباط. ويظل هذا التقدير رأياً شخصياً لا يمكن اعتباره حقيقة محسومة بشأن الموقف الأمريكي مستقبلاً. كما أن قوة المغرب لا يمكن اختزالها في موقف مفترض لدولة أخرى، بل ترتبط بقدرته على تنويع شراكاته، وتعزيز استقلالية قراره، وتطوير أدواته الاقتصادية والدبلوماسية والدفاعية بما يخدم مصالحه الوطنية.
وتأتي هذه التصريحات في سياق إقليمي ودولي تتغير فيه موازين النفوذ، فيما يواصل المغرب توسيع شراكاته وتعزيز حضوره على المستويين الإقليمي والدولي. ولم يعد من الواقعي التعامل مع المملكة من خلال الصور النمطية القديمة أو افتراض أن موازين القوة ستظل ثابتة إلى الأبد. فالمغرب دولة ذات مصالح استراتيجية واضحة، ويتمسك بمطالبه الوطنية، ويتحرك في بيئة دولية تتغير فيها التحالفات والحسابات باستمرار، الأمر الذي يجعل أي قراءة لمستقبل المنطقة مطالبة بأخذ هذه التحولات في الحسبان.
وخلال تقديم كتابه الجديد “الحرب الباردة كما تُروى للمتشككين”، تطرق غالان إلى التحولات العالمية، معتبراً أن العالم يعيش مرحلة تشبه انحطاط الإمبراطورية الرومانية، وأن التغيرات التي كانت تستغرق قروناً بات من الممكن أن تتسارع خلال عقود قليلة. كما تحدث عن صعود الصين والهند والبرازيل، وعن المنافسة المحتدمة في مجال الذكاء الاصطناعي، محذراً من تراجع الحريات واتساع نطاق المراقبة. وهي قراءة تعزز فكرة أن الدول التي تبني حساباتها على موازين الأمس قد تجد نفسها أمام واقع جديد لم تستعد له بما يكفي.
وفي حديثه عن علاقة إسبانيا بالولايات المتحدة، وصف غالان بلاده بأنها ظلت، منذ عهد فرانكو، في موقع التابع لواشنطن، معتبراً أن هذه العلاقة لم تتغير جذرياً رغم التحولات السياسية التي عرفتها إسبانيا. ويظل هذا التقييم جزءاً من رؤيته الشخصية، لكنه يطرح بدوره سؤالاً حول هامش الاستقلال الاستراتيجي للدول في عالم تتبدل فيه مراكز النفوذ. والمفارقة أن مدريد، التي تتمسك بثبات الوضع القائم جنوباً، تجد نفسها بدورها أمام عالم لا يضمن ثبات التحالفات ولا استمرار المعادلات القديمة.
وبعيداً عن التهويل الإعلامي، فإن أهمية تصريحات غالان لا تكمن في اعتبارها إعلاناً عن عودة وشيكة لسبتة ومليلية إلى السيادة المغربية، بل في أنها تفتح النقاش حول مستقبل ملف ظل حاضراً في الذاكرة والمطالب الوطنية المغربية. فالمغرب ليس بحاجة إلى تحويل رأي كاتب إلى موقف رسمي إسباني، كما أن المطالب التاريخية لا تُحسم بالعناوين الصاخبة وحدها؛ لكنها أيضاً لا تسقط بالتجاهل، ولا تتحول إلى أمر منسي لمجرد أن الطرف الآخر يفضّل عدم مناقشتها.
إن الرهان المغربي الحقيقي لا يقوم على انتظار نبوءات من الخارج، بل على مواصلة بناء القوة الاقتصادية والدبلوماسية والاستراتيجية، والتمسك بالحقوق الوطنية ضمن مقاربة طويلة النفس، تستوعب التحولات وتوظفها لخدمة المصالح العليا للمملكة. أما مدريد، فإن كان بعض خطابها السياسي يتصرف كما لو أن الوضع القائم لا يقبل المراجعة، فإن الواقع الدولي يذكّرها بأن السياسة ليست إعلاناً أبدياً عن الرغبات، وأن الملفات العالقة لا تُحل بمجرد الامتناع عن فتحها.
وفي نهاية المطاف، قد تكون الرسالة الأكثر إزعاجاً لمدريد أن مستقبل سبتة ومليلية المحتلتين لا يمكن حسمه بالشعارات، ولا ضمانه بمجرد تكرار المواقف نفسها. فالمغرب متمسك بحقوقه التاريخية، والملف يظل جزءاً من القضايا السياسية التي تطبع علاقته بإسبانيا. أما المفارقة الساخرة، فهي أن التحذير من احتمال تغير الوضع لم يأتِ هذه المرة من الرباط، بل من قلم إسباني قرر أن يفتح نافذة على سيناريو لا تحب بعض الأوساط الإسبانية سماعه. فهل ستتعامل مدريد مع هذا الملف بعقلية واقعية تستوعب تحولات التاريخ والسياسة، أم ستواصل التصرف كما لو أن الزمن وقّع معها عقداً أبدياً يضمن بقاء كل شيء على حاله؟
27/10/2026