تدخل إسرائيل مرحلة سياسية شديدة التعقيد، بعدما كشفت التقديرات الأولية لنتائج الانتخابات التشريعية عن سباق محتدم بين معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومنافسه من الأصول المغربية غادي آيزنكوت، في اقتراع لم يمنح أيا من الطرفين الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة، وفتح الباب أمام مفاوضات وتحالفات قد تقلب موازين السلطة في اللحظات الأخيرة.
ووفق عينات النتائج التي بثتها القنوات التلفزيونية الإسرائيلية، يتقدم المعسكر الذي يقوده آيزنكوت بنحو 53 مقعدا، مقابل 50 مقعدا للكتلة الموالية لنتنياهو، فيما يُتوقع أن تحصد الأحزاب العربية مجتمعة ما بين 17 و18 مقعدا، لتصبح قوة مؤثرة في الكنيست، ورقما حاسما في معادلة تشكيل الحكومة المقبلة.
وتضع هذه الأرقام نتنياهو أمام اختبار سياسي بالغ الحساسية، إذ لم يعد تصدر حزبه المشهد الانتخابي كافيا لضمان بقائه في السلطة، في وقت يبدو فيه المعسكر المنافس أكثر قدرة على تجميع الأصوات، لكنه بدوره لا يملك الأغلبية المطلقة المحددة في 61 مقعدا من أصل 120.
وسارع آيزنكوت إلى قراءة النتائج باعتبارها مؤشرا على تراجع الثقة بنتنياهو وحكومته، متعهدا بالعمل على تشكيل ما وصفه بـ”حكومة التعبئة الصهيونية”، فيما اعتبر يائير لابيد أن حصيلة معسكر رئيس الوزراء تمثل هزيمة قاسية، في موقف يعكس حجم الرهان الذي وضعته المعارضة على إنهاء هيمنة نتنياهو على المشهد السياسي.
في المقابل، يتمسك نتنياهو بأوراقه السياسية، إذ تشير المعطيات المتداولة إلى أنه يرى أن الأولوية في تشكيل الحكومة ينبغي أن تكون لحزب الليكود، باعتباره أكبر حزب، محذرا في الوقت نفسه من إقامة حكومة تستند إلى دعم الأحزاب العربية، التي وصفها بـ”حكومة الإرهاب”، في خطاب يعكس عمق الانقسام السياسي داخل إسرائيل، ويكشف حدود الخيارات المتاحة أمام خصومه.
وتبرز الأحزاب العربية في قلب هذه المعركة باعتبارها رقما حاسما قد يرجح كفة آيزنكوت ويعرقل عودة نتنياهو إلى قيادة الحكومة. غير أن تحويل هذا الوزن الانتخابي إلى نفوذ سياسي فعلي يظل رهينا بمواقف قياداتها، وطبيعة التفاهمات الممكنة، ومدى استعداد المعسكرات المتنافسة لقبول ترتيبات تتيح تشكيل حكومة جديدة.
ولا تعني الأرقام المتداولة، في انتظار النتائج الرسمية واستكمال الفرز، أن حسم السلطة أصبح أمرا نهائيا؛ فالمقاعد وحدها لا تكفي لتشكيل الحكومة، بل إن قدرة كل معسكر على بناء تحالف برلماني متماسك ستحدد هوية رئيس الوزراء المقبل، وسط حسابات معقدة قد تفرض تنازلات متبادلة أو تقود إلى جولة جديدة من الانسداد السياسي.
وهكذا، يجد نتنياهو نفسه أمام مفترق طرق قد يحدد مستقبل مسيرته السياسية، بعدما أظهرت التقديرات الأولية أن تصدر حزب انتخابيا لا يضمن امتلاك مفاتيح الحكم، فيما باتت أصوات الأحزاب العربية في موقع قد يمنحها دورا محوريا في رسم ملامح المرحلة المقبلة. وبين طموح آيزنكوت في انتزاع السلطة وإصرار نتنياهو على التشبث بها، تبقى إسرائيل أمام معركة سياسية مفتوحة، عنوانها الأبرز: لا غالب حتى الآن، ولا حكومة مضمونة من دون مفاوضات شاقة وتحالفات لم تُحسم بعد.
28/10/2026