مزاعم باعتداء داخل فندق “بلازا” بنيويورك عام 1993 تعود إلى الواجهة عبر تقرير أعده ديمقراطيون في الكونغرس الأمريكي، فيما يرفض البيت الأبيض الاتهامات ويصفها بمحاولة لصرف الأنظار عن الرئيس.
عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مواجهة موجة جديدة من الاتهامات الجنسية، بعدما أعاد تقرير أعده أعضاء ديمقراطيون في اللجنة القضائية بمجلس النواب الأمريكي تسليط الضوء على مزاعم ملكة جمال سويسرا السابقة بياتريس كول، التي تتهمه باغتصابها داخل فندق “بلازا” الشهير في نيويورك سنة 1993. وتأتي هذه التطورات لتعيد ملفا بالغ الحساسية إلى دائرة الضوء، في وقت لا تزال فيه علاقة ترامب السابقة بالممول الأمريكي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين تثير أسئلة سياسية وإعلامية متجددة.
وبحسب ما أوردته صحيفة “التلغراف” البريطانية، تقول كول، البالغة حاليا 55 عاما، إن الواقعة حدثت عندما كانت في الرابعة والعشرين من عمرها، خلال مشاركتها في مسابقة “أمريكان دريم”، بعدما دعاها ترامب إلى جناح داخل الفندق. وتزداد القضية تعقيدا بالنظر إلى أن كول سبق أن تحدثت، في أكتوبر 2024، عن تعرضها للتحرش خلال الواقعة نفسها، مؤكدة آنذاك أن الأمر لم يتجاوز ذلك، قبل أن تقدم لاحقا رواية أكثر خطورة خلال مقابلات أجراها معها موظفون تابعون للديمقراطيين في الكونغرس.
ووفقا لما نقل عن إفادتها، وصفت كول الحادث بأنه “وحشي”، مدعية أن ترامب مزق فستانها وتسبب لها في كدمات ونزيف، فضلا عن ممارسة ضغوط عليها لإجبارها على التزام الصمت. كما قالت إن الواقعة تركت آثارا نفسية استمرت معها، لتعود، بعد أكثر من ثلاثة عقود، إلى واجهة النقاش العام، حاملة معها أسئلة محرجة للرئيس الأمريكي بشأن اتهامات تنفيها إدارته، ولم يثبتها حكم قضائي في المعطيات الواردة في التقرير.
وفي مواجهة هذه المزاعم، سارع البيت الأبيض إلى رفض الاتهامات، إذ وصفت المتحدثة باسمه، لورين بيس، التقرير بأنه محاولة يائسة من ديمقراطيين مهووسين لصرف انتباه الأمريكيين عن الزخم الجمهوري والإنجازات التي تنسبها الإدارة إلى ترامب. لكن الرد السياسي، مهما بلغت حدته، لا يحسم جوهر القضية؛ فالتشكيك في دوافع أصحاب الاتهامات لا يغني عن فحص الأدلة، مثلما لا يحوّل الاتهام في حد ذاته إلى إدانة. وبين الرواية والنفي، تبقى الحقيقة رهينة التحقق المستقل.
والأكثر إحراجا للبيت الأبيض أن القضية لا تتوقف عند إفادة بياتريس كول، بل تتقاطع مع ملف جيفري إبستين، الذي أدين بجرائم جنسية، وتعيد إلى الواجهة تساؤلات بشأن طبيعة العلاقات التي جمعته بشخصيات نافذة في الولايات المتحدة. ووفق التقرير، اتهم الديمقراطيون وزارة العدل الأمريكية بحجب أدلة مرتبطة بادعاءات قدمتها خمس نساء بشأن الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي، في وقائع قيل إنها حدثت بحضور إبستين أو بعلمه.
وطالب معدو التقرير بإجراء تحقيق مستقل ومراجعة الأدلة المرتبطة بهذه المزاعم، في خطوة تضع المؤسسات الأمريكية أمام اختبار حقيقي بشأن الشفافية والمساءلة. غير أن الاتهامات المتعلقة بحجب الأدلة تظل بدورها ادعاءات صادرة عن معدي التقرير، ولا تكفي وحدها لإثبات ارتكاب وزارة العدل مخالفات. ومع ذلك، فإن حساسية الملف تجعل الاكتفاء بتبادل الاتهامات السياسية وصفا قاصرا لأزمة تتطلب أجوبة واضحة وأدلة قابلة للفحص.
وبين رواية تعود إلى عام 1993، واتهامات تتجدد مع تطورات ملف إبستين، يجد البيت الأبيض نفسه أمام مواجهة لا يكفي لاحتوائها إصدار بيان نفي أو اتهام الخصوم بتسييس القضية. فكلما عاد الملف إلى الواجهة، تجددت المطالب بكشف ما يتوافر من أدلة وتوضيح ما إذا كانت السلطات المختصة قد تعاملت معها وفق معايير واحدة، بعيدا عن النفوذ السياسي وحسابات الحزبين.
وفي واشنطن، حيث تتحول الفضائح إلى أسلحة في معارك السلطة، يبقى الخطر الأكبر أن تضيع الحقيقة بين ضجيج الاتهامات ومناورات الدفاع السياسي. فليس النفوذ دليلا على الإدانة، كما أن المنصب الرئاسي لا ينبغي أن يكون درعا يحول دون التحقيق في ادعاءات خطيرة. وإذا كان البيت الأبيض يرى في التقرير محاولة لتشويه صورة ترامب، فإن الطريق الأوضح لتفنيد المزاعم لا يمر عبر الهجوم على أصحابها، بل عبر إخضاعها لفحص مستقل وشفاف.
وهكذا يعود شبح إبستين ليطرق أبواب البيت الأبيض من جديد، حاملا معه أسئلة لم ينهها النفي ولم تطوها السنوات. فهل تنتهي هذه القضية إلى أدلة تحسم الجدل وتكشف الحقيقة، أم تظل رهينة صراع سياسي يعلو فيه صوت الدفاع والهجوم على صوت التحقيق؟ في نهاية المطاف، قد تنجح السياسة في تأجيل الأسئلة، وقد تخمد البيانات عاصفة عابرة، لكن ما لم يُحسم بالأدلة سيظل قادرا على العودة، ليضع الرئاسة الأمريكية ومؤسسات العدالة أمام اختبار لا تحسمه الشعارات، بل الحقيقة وحدها.
29/10/2026