من السلطان الراحل محمد الخامس إلى ولي العهد الأمير مولاي الحسن، تكتب الناظور فصلاً جديداً من تاريخها الملكي والبحري؛ فمن رماد ميناء غساسة التاريخي، الذي كان يوماً بوابة الريف التجارية نحو موانئ العالم، ينبعث اليوم “تنين المتوسط”، ميناء الناظور غرب المتوسط، ليعيد للمنطقة بريقها البحري ويفتح أمامها أبواب نهضة اقتصادية واستراتيجية جديدة، في تحول يعيد رسم موازين القوة على الضفة الجنوبية للمتوسط ويربك حسابات خصوم المغرب.
ليست الزيارات الملكية إلى مدينة الناظور مجرد محطات بروتوكولية عابرة، بل صفحات متعاقبة من تاريخ منطقة الريف، تختزل تحولات المغرب السياسية والعسكرية والتنموية، وتكشف عن المكانة التي احتلتها هذه المنطقة في الوجدان الملكي وفي مسار بناء الدولة المغربية الحديثة. غير أن حكاية الناظور أعمق من الزيارات والمحطات السياسية؛ إنها حكاية أرض عرفت أمجاد البحر والتجارة قبل قرون، حين كان ميناء غساسة التاريخي، خلال مراحل ازدهاره في العهد المريني، مركزاً للحركة التجارية والبحرية، ونافذة للمنطقة على ضفاف المتوسط وموانئ وبلدان متعددة. كان غساسة يومها عنواناً لنهضة اقتصادية وحضارية، قبل أن تطاله عوامل التدمير والاندثار، فيختفي الميناء وتغيب معه أمجاد مرحلة كاملة من تاريخ الريف البحري.
واليوم، وعلى مقربة بحرية من ذلك الموقع التاريخي، ينبعث ميناء الناظور غرب المتوسط، لا باعتباره مجرد مشروع جديد، بل باعتباره امتداداً جغرافياً واستراتيجياً لذاكرة بحرية عريقة، وإحياءً لروح المكان الذي عرف يوماً قيمة التجارة والملاحة والانفتاح على العالم. فالميناء الذي اندثر واختفت معالمه، تعود فكرته اليوم في صورة مشروع عملاق، بإمكانات حديثة ورهانات دولية، وكأن الناظور تستعيد مجدها البحري من تحت رماد التاريخ، وتستعد لكتابة فصل جديد من نهضتها الاقتصادية.
وتعود إحدى أبرز المحطات الملكية في تاريخ الناظور إلى 2 يوليوز 1956، حين حل الأمير مولاي الحسن، الذي سيصبح لاحقاً الملك الحسن الثاني، بمدينة الناظور، بصفته رئيساً للأركان العامة للجيش الملكي، في زيارة لم تكن عادية بالنظر إلى سياقها السياسي والعسكري الدقيق. فقد جاءت في إطار جولة شملت مناطق نشاط جيش التحرير بشمال المملكة، وكان برفقته عدد من الشخصيات الوطنية والعسكرية البارزة، من بينها الغزالي والمحمدي والمحجوبي أحرضان.
واكتسبت هذه الزيارة أهمية تاريخية استثنائية، لكونها سبقت بيوم واحد إعلان إدماج جيش التحرير بالشمال في القوات المسلحة الملكية، الذي جرى في 3 يوليوز 1956، في خطوة شكلت منعطفاً حاسماً في مسار توحيد المؤسسة العسكرية المغربية وترسيخ دعائم الدولة المستقلة. وكان الأمير مولاي الحسن آنذاك ولياً للعهد بحكم موقعه داخل المؤسسة الملكية، وإن كان التنصيب الرسمي بهذه الصفة قد تم في 9 يوليوز 1957.
وبعد أيام قليلة، وتحديداً في 15 يوليوز 1956، حلت بالناظور محطة ملكية أخرى، عندما زارها السلطان الراحل محمد الخامس، في سياق مرحلة وطنية كانت فيها المملكة تعيد ترتيب مؤسساتها وتثبيت سيادتها بعد الاستقلال.
أما الملك الحسن الثاني، فقد سجل مروراً ملكياً بمدينة الناظور سنة 1991، خلال زيارة إلى ليبيا ، وفي محطة تاريخية لا ينبغي الخلط بينها وبين زيارة رسمية مستقلة للمدينة.
ومع اعتلاء الملك محمد السادس العرش، دخل الحضور الملكي بالمنطقة مرحلة جديدة، حيث كانت أول زيارة رسمية له إلى مدينة الناظور يوم الأحد 17 أكتوبر 1999، ضمن جولته الملكية الأولى بشمال المملكة ومنطقة الريف، في بداية عهد حمل وعوداً كبيرة بإعادة الاعتبار للمناطق الشمالية وتعزيز حضورها في المشاريع التنموية الكبرى.
وتكتسب زيارة ولي العهد الأمير مولاي الحسن إلى الناظور اليوم، 31 أكتوبر 2026، دلالة إضافية بالنظر إلى التحولات التي تشهدها المؤسسة الملكية، ولاسيما بعد القرار الملكي الصادر في 2 ماي 2026، حين عيّن الملك محمد السادس نجله ولي العهد منسقاً لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية. وهو تكليف مؤسساتي يستحضر مساراً ملكياً سبق أن سلكه الملك محمد السادس نفسه عندما كان ولياً للعهد، إذ تولى المهمة ذاتها سنة 1985 بتعيين من والده الملك الحسن الثاني.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية لافتة؛ فالأمير مولاي الحسن سنة 1956 حل بالناظور في سياق مسؤولياته العسكرية المرتبطة بمرحلة توحيد القوات المسلحة الملكية، بينما يحل ولي العهد الأمير مولاي الحسن سنة 2026 بالمدينة بعد تكليفه بمهمة التنسيق داخل القيادة العامة للمؤسسة العسكرية، ولكن في سياق مغرب مختلف، انتقل من معركة بناء مؤسسات الدولة إلى معركة ترسيخ القوة الاقتصادية وتعزيز الموقع الاستراتيجي للمملكة.
أما الحدث الذي يستحق التوقف عنده اليوم، فيتمثل في الزيارة الأولى لولي العهد الأمير مولاي الحسن إلى الناظور، بمناسبة الذكرى الأولى لعيد الوحدة، من أجل تدشين ميناء الناظور غرب المتوسط. وهنا تكتسب المحطة بعداً تاريخياً يتجاوز أهمية المشروع في حد ذاته؛ فولي العهد يحل بمنطقة كانت قبل قرون تحتضن ميناء غساسة، أحد الشواهد على الحضور التجاري والبحري للريف في حوض المتوسط، ليشرف اليوم على إطلاق مشروع مينائي استراتيجي يفتح أمام المنطقة آفاقاً جديدة. وبين الميناء الذي غاب والميناء الذي يولد، مسافة زمنية طويلة، لكن المكان يحتفظ بذاكرته، والبحر الذي شهد حركة السفن التجارية قديماً يستعد لاستقبال مرحلة جديدة من الملاحة والاستثمار والتبادل الدولي.
وبعد سبعين عاماً من زيارة الأمير مولاي الحسن سنة 1956، حين كانت الناظور شاهدة على مرحلة توحيد المؤسسة العسكرية وبناء الدولة المستقلة، يحل ولي العهد الأمير مولاي الحسن بالمدينة في سياق مختلف تماماً، عنوانه الاستثمار والبنيات التحتية الكبرى والرهان على المستقبل. وبين المحطتين تتجسد مسافة التحول الذي قطعه المغرب، من تثبيت أركان الاستقلال إلى ترسيخ موقعه كقوة اقتصادية ولوجستية صاعدة.
وفي المقابل، تعود آخر زيارة للملك محمد السادس إلى إقليم الناظور، بحسب المعطيات المعتمدة في هذا المقال، إلى 29 نونبر 2012، وهو ما يمنح محطة 31 أكتوبر 2026 رمزية خاصة في سجل الحضور الملكي بالمنطقة، ويجعلها مناسبة لاستحضار مسار طويل من الارتباط بين المؤسسة الملكية والريف.
إن ما يحدث اليوم في الناظور ليس مجرد إضافة منشأة مينائية إلى خريطة البنيات التحتية المغربية، بل استعادة لجزء من الذاكرة الاقتصادية والحضارية للمنطقة. فغساسة التي كانت يوماً ميناءً نابضاً بالتجارة والاتصال بمختلف الموانئ والبلدان، اختفت معالمها واندثر دورها، لكن موقعها الجغرافي لم يفقد قيمته، والبحر الذي حمل سفنها لم يتوقف عن انتظار عودة الناظور إلى واجهته. واليوم، وعلى مقربة من ذلك الميناء التاريخي، يولد ميناء الناظور غرب المتوسط، حاملاً طموحاً أكبر وإمكانات أوسع، ليحول الذاكرة البحرية من مجرد أمجاد تُروى إلى مشروع اقتصادي واستراتيجي يصنع المستقبل.
إنها مفارقة التاريخ الجميلة: ميناء غساسة رحل، لكن روح المكان لم تمت؛ اندثرت أرصفته، لكن الموقع لم يفقد قدرته على صناعة التاريخ. ومن رماد الميناء القديم ينبعث مشروع جديد، لا يستنسخ الماضي، بل يتجاوزه، ويمنح الناظور فرصة لاستعادة مكانتها على الخريطة البحرية والتجارية للمتوسط. وهكذا، من غساسة التاريخية إلى ميناء الناظور غرب المتوسط، لا يعود الريف إلى البحر من نقطة الصفر، بل يعود محملاً بذاكرة قرون من التجارة والملاحة، وبمشروع ملكي يفتح أمامه أبواب نهضة جديدة.
وبينما كانت الناظور قبل سبعة عقود مسرحاً لصفحات حاسمة في معركة بناء الدولة المغربية وتوحيد مؤسساتها، فإنها اليوم تقف على أعتاب معركة من نوع آخر، عنوانها التنمية والريادة والسيادة الاقتصادية. فالرسالة التي تختزلها هذه المحطات التاريخية واضحة: المغرب الذي وحّد مؤسساته بالأمس، يبني اليوم قوته الاقتصادية برؤية استراتيجية لا تنتظر إذناً من أحد. وميناء الناظور غرب المتوسط ليس مجرد أرصفة وسفن وحاويات، بل إعلان مغربي صريح بأن زمن تهميش الريف يجب أن يصبح من الماضي، وأن الناظور تستعد لانتزاع مكانتها على خريطة الاقتصاد العالمي، لا كضفة تنتظر ما يأتيها من الخارج، بل كبوابة مغربية تصنع المستقبل وتفرض إيقاعها على المتوسط.
فغساسة كانت مجد البحر في زمن مضى، والناظور غرب المتوسط هو رهان استعادة ذلك المجد في زمن المستقبل؛ ميناء اندثر من صفحات التاريخ، وميناء يولد اليوم ليعيد كتابة الحكاية من جديد!
31/10/2026