kawalisrif@hotmail.com

إسبانيا تكتشف متأخرة أنها مجرد كومبارس في فيلم المقاتلة الأوروبية FCAS … باريس وبرلين تقسمان الغنائم ومدريد تخرج من المشروع بفاتورة الخيبة !

إسبانيا تكتشف متأخرة أنها مجرد كومبارس في فيلم المقاتلة الأوروبية FCAS … باريس وبرلين تقسمان الغنائم ومدريد تخرج من المشروع بفاتورة الخيبة !

في واحدة من أقوى الانتكاسات التي تضرب طموحات الصناعات الدفاعية الأوروبية، يتجه مشروع المقاتلة المستقبلية FCAS، الذي كان يُفترض أن يشكل حجر الأساس لاستقلال أوروبا العسكري والتكنولوجي، إلى الفشل النهائي، بعدما عجزت فرنسا وألمانيا وإسبانيا عن تجاوز خلافاتها الصناعية والاستراتيجية، لتجد مدريد نفسها أمام حصيلة ثقيلة من الخسائر، فيما بدأت التداعيات المالية والتجارية تطال عملاق الصناعات الدفاعية الإسبانية “إندرا”.

المشروع الذي رُصدت له استثمارات ضخمة تصل إلى 100 مليار يورو، لم يكن مجرد صفقة لتطوير طائرة قتالية جديدة، بل كان رهاناً أوروبياً استراتيجياً على امتلاك مقاتلة من الجيل السادس، قادرة على خوض حروب المستقبل بالاعتماد على تقنيات الحرب الإلكترونية والأنظمة القتالية المتصلة وشبكات القيادة والتحكم السحابية. غير أن هذا الطموح اصطدم بصراع المصالح بين باريس وبرلين، حيث أرادت كل دولة فرض رؤيتها الصناعية والتكنولوجية، لتتحول الشراكة التي رُوّج لها باعتبارها نموذجاً للتكامل الأوروبي إلى ساحة لتصفية الحسابات والتنافس على النفوذ.

وحسب مصادر إعلامية، فقد انتهت هذه الخلافات إلى إلغاء المشروع في الثامن من يونيو المنصرم ، بعد تعثر المفاوضات وانهيار التفاهمات بين الأطراف المشاركة. وفي خضم هذا الانهيار، وجدت إسبانيا نفسها في موقع المتفرج، بعدما تقلص تأثيرها في مسار مشروع استراتيجي بهذا الحجم، رغم الرهانات التي وضعتها مدريد على دورها الصناعي والعسكري داخله.

ولم تتوقف الخسائر عند حدود الطموحات السياسية والعسكرية، بل امتدت إلى الحسابات التجارية لشركة “إندرا”، التي بدأت تظهر عليها آثار تعثر المشروع بصورة واضحة. فقد سجلت تعاقداتها خلال الربع الثالث من سنة 2026 تراجعاً بنسبة 33 في المائة، وفق الوثائق الرسمية للشركة، التي عزت هذا الأداء أساساً إلى تداعيات مشروع FCAS، إلى جانب أنشطة الأنظمة البرية والأنظمة البحرية.

والأكثر إثارة أن مساهمة مشروع المقاتلة المستقبلية في مبيعات “إندرا” خلال الربع الثالث انهارت بنسبة 62 في المائة، بعدما تراجعت من 41 مليون يورو خلال الفترة نفسها من سنة 2025 إلى 16 مليون يورو فقط في الربع الثالث من سنة 2026، في مؤشر واضح على حجم الارتباك الذي خلفه تعثر أحد أكبر المشاريع الدفاعية الأوروبية.

ورغم أن قطاع الدفاع لدى الشركة سجل ارتفاعاً في المبيعات بنسبة 95 في المائة خلال الربع الثالث، مدعوماً ببرامج التحديث العسكري الخاصة، ومشاريع المركبات البرية والرادارات في ألمانيا وأوكرانيا، فضلاً عن أنشطة الأسلحة والذخائر، فإن هذه النتائج الإيجابية لم تحجب الضربة التي تلقاها برنامج FCAS، ولا التراجع المسجل في بعض القطاعات الاستراتيجية.

وفي المقابل، حقق برنامج المقاتلات الأوروبية “يوروفايتر” أداء أفضل، بعدما ارتفعت مساهمته في مبيعات “إندرا” خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة بنسبة 14 في المائة، منتقلة من 178 مليون يورو إلى 203 ملايين يورو. لكن هذا التحسن لم يكن كافياً لتعويض تراجع مشروع FCAS، الذي انخفضت مساهمته في المبيعات خلال الفترة نفسها بنسبة 26 في المائة، من 173 مليون يورو إلى 127 مليون يورو.

وتزداد الصورة تعقيداً مع تراجع مبيعات الشركة في السوق الأوروبية بنسبة 20 في المائة، من 757 مليون يورو إلى 682 مليون يورو، رغم تسجيلها إيرادات قياسية جديدة على مستوى أعمالها الإجمالية، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن قدرتها على الحفاظ على موقعها داخل سوق دفاعية أوروبية تزداد تنافسية وتتحكم فيها حسابات الدول الكبرى.

وفي ظل هذا الفراغ الاستراتيجي، بدأت ألمانيا تبحث عن بدائل لإحياء طموحها في امتلاك مقاتلة من الجيل السادس، حيث برز أمامها خيار الانضمام إلى البرنامج الدولي GCAP، الذي تقوده المملكة المتحدة واليابان وإيطاليا، بمشاركة شركات “BAE Systems” و”Mitsubishi Industries” و”Leonardo”، أو التوجه نحو شراكة جديدة مع السويد عبر عملاق الصناعات الدفاعية “ساب”.

غير أن المفاجأة تكمن في أن برلين لا تبدو راغبة في إغلاق الباب نهائياً أمام إسبانيا، إذ تشير معطيات نقلتها تقارير إعلامية إلى وجود توجه داخل وزارة الدفاع الألمانية نحو دراسة تعاون ثلاثي جديد يجمع ألمانيا وإسبانيا والسويد، استناداً إلى تقارب المتطلبات العسكرية للدول الثلاث.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة بالنسبة إلى مدريد، التي تواجه خطر التحول من شريك أساسي في مشروع أوروبي عملاق إلى طرف يبحث عن موطئ قدم في ترتيبات دفاعية جديدة، بعدما أظهرت الخلافات الفرنسية الألمانية محدودية قدرتها على التأثير في القرارات الكبرى المتعلقة بمستقبل الصناعات العسكرية الأوروبية.

وهكذا، لم يكن انهيار مشروع FCAS مجرد تعثر تقني أو خلاف عابر حول تقاسم الأدوار، بل كشف عن أزمة أعمق داخل المشروع الدفاعي الأوروبي، حيث تتقدم الحسابات الوطنية والمصالح الصناعية على الشعارات المتعلقة بالوحدة الاستراتيجية. وبين طموحات فرنسية وألمانية متضاربة وحسابات إسبانية مرتبكة، تدفع الصناعات الدفاعية الأوروبية ثمن صراع لم تستطع حكوماتها احتواءه، فيما تجد “إندرا” نفسها أمام تحدي تعويض خسائر مشروع كان يُفترض أن يفتح أمامها أبواباً واسعة في سوق مقاتلات المستقبل.

01/11/2026

مقالات خاصة

Related Posts